فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 546

والدلائل إلى الأدلة، والوسيلة إلى الغرض، هو الذي جعله يختم مباحثه البلاغة في (دلائل الإعجاز) بفصل يحيل فيه إدراك البلاغة على مبهمات ومجردات مما سماه الذوق والإحساس الروحانى، والأمور الغامضة الخفية. والناس عنده مرضى حتى يلتمسوا الطب لديه.

وقد يجدى أن أنقل هنا هذا الفصل الختامى من (دلائل الإعجاز) يلخص مذهب الجرجاني ويوضح طريقته في التناول وأسلوبه في الجدل والاحتجاج:

«اعلم أنك لن ترى عجبا أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم. وذلك أنه ما من أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن هاهنا نظما أحسن من نظم، ثم تراهم إذا أنت أردت أن تبصرهم بذلك تسدر أعينهم وتضل عنهم أفهامهم. وسبب ذلك أنهم أوّل شيء عدموا العلم به نفسه من حيث حسبوه شيئا غير توخى معاني النحو، وجعلوه يكون في الألفاظ دون المعاني. فأنت تلقى الجهد حتى تميلهم عن رأيهم، لأنك تعالج مرضا مزمنا وداء متمكنا.

«ثم إذا أنت قدتهم بالخزائم إلى الاعتراف بأن لا معنى له غير توخى معاني النحو، عرض لهم من بعد خاطر يدهشهم حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم.

وذلك أنهم يروننا ندعى المزية والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يتصور أن يتفاضل الناس في العلم به، ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من

معاني النحو ووجوهه على شيء يزعم أن من شأن هذا، أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه. بل يروننا ندعى المزية لكل ما ندعيها له من معاني النحو ووجوهه وفروقه، في موضع دون موضع وفي كلام دون كلام وفي الأقل دون الأكثر وفي الواحد دون الألف. فإذا رأوا الأمر كذلك دخلتهم الشبهة وقالوا: كيف يصير المعروف مجهولا، ومن أين يتصور أن يكون للشيء في كلام مزية عليه في كلام آخر، بعد أن تكون حقيقته فيهما حقيقة واحدة؟ فإذا رأوا التنكير يكون فيما لا يحصى من المواضع اتهمونا في دعوانا ما ادعيناه لتنكير حياة في قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ من أن له حسنا ومزية، وأن فيه بلاغة عجيبة، وظنوه وهما منا وتخيلا.

«ولسنا نستطيع في كشف الشبهة في هذا عنهم، ما استطعناه في نفس النظم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت