{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ... (152) }
وسأله عن معنى قوله تعالى: {تَحُسُّونَهُمْ} .
قال: تقتلونهم بإذنه.
واستشهد بقول عتيبة الليثى «1» :
نحسّهم بالبيض حتى كأنما ... نفلّق منهم بالجماجم حنظلا
(ظ، طب) وفي (تق) تقتلونهم زاد في (ك، ط) بأمر محمد. والشاهد في الثلاثة قول الشاعر:
ومنا الذي لاقى بسيف محمد ... فحسّ به الأعداء عرض العساكر
-الكلمة من آية آل عمران 152 في يوم أحد:
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
وحيدة في القرآن، من الفعل الثلاثي: حسّ ومن الرباعي آيات:
آل عمران 50: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ الأنبياء 12: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا مريم 98: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ومعها فَتَحَسَّسُوا في آية يوسف 87 وحَسِيسَها في آية الأنبياء
102 والحسّ هو أصل المعنى للمادة، وهو المفهوم من قرب في الاستعمال القرآني للإحساس والتحسس والحسيس، وإلى الحسّ رده «الراغب» فقال: نقل الحسّ إلى القتل من قولهم: أحسّه بحسّى، نحو رعته وكبدته. ولما كان ذلك قد يتولد منه القتل، عبّر به عنه فقيل: حسسته، أي قتلته (المفردات: حس) وقريب منه، في (جامع القرطبي 4/ 235) .
وقد نقل الطبري في تفسير الكلمة بالقتل في آية آل عمران، ما روى عن ابن عباس وغيره.
والقتل كثير الورود في القرآن بصيغ عدة: الفعل الثلاثي ماضيا ومضارعا وأمرا، ومصدره. والرباعي من القتال ماضيا ومضارعا وأمرا ومصدرا، ومن التقتيل ماضيا ومضارعا، ومن الاقتتال.
فلفت ذلك إلى فرق في الدلالة بين القتل، والحسّ وحيدة الصيغة في القرآن الكريم.
وتدبر سياق الآيات في القتل، على اختلاف الصيغ، يفيد دلالة العموم فيه، إذ يقع على الفرد وعلى الجمع، بالسلاح أو بغيره كما في قتل الأولاد، خشية إملاق، وأدا. وجاء ماضي الثلاثي مبنيا للمجهول، دعاء عليه، من المجاز، كالآيات: المدثر 20: فَقُتِلَ، كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ، كَيْفَ قَدَّرَ عبس 17: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ الذاريات 10: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ البروج 4: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ والقتل في هذه الآيات، دعاء عليهم.
فهل يكون الحسّ في الآية بدلالة خاصة على استئصال الجمع قتلا؟ في مجاز أبي عبيدة: «إذ تحسونهم، تستأصلونهم قتلا، يقال حسسناهم عن آخرهم أي استأصلناهم، قال رؤبة:
إذا شكونا سنة حسوسا ... تأكل بعد الأخضر اليبيسا (1/ 104)
وقال الفراء: الإحساس الوجود، تقول: هل أحسست أحدا، وكذلك «هل تحس منهم من أحد» وإذا قلت؛ حسست بغير ألف فهى في معنى الإفناء والقتل (معاني القرآن، آية آل عمران 52) ونقل القرطبي عن أبي عبيد: الحس الاستئصال بالقتل. وأنشد بيت رؤبة (الجامع 4/ 235) ومعناه عند الزمخشري: القتل الذريع (س) وقال ابن هشام بعد رواية ابن إسحاق للظروف العصيبة التي لابست نزول آية آل عمران:
«الحس: الاستئصال. يقال حسست الشيء أي استأصلته بالسيف أو بغيره، قال جرير:
تحسّهم السيوف كما تسامى ... حريق النار في الأجم الحصيد»
ومعنى الاستئصال واضح في الشاهد، لكنه ليس استئصالا لشيء بالسيف أو بغيره، بل هو استئصال للجمع بالسيوف، بصريح النص.
وكذلك الشاهدان في تفسير ابن عباس، ليس الحسّ فيهما مطلق قتل، وإنما هو حس استئصال للأعداء بالبيض، وبسيف محمد، عليه الصلاة والسلام. والله أعلم.
(1) في (طب) : عتبة الليثى ولم أقف على الشاهد.