{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) }
وسأل نافع عن قوله تعالى: {قَوْلًا سَدِيدًا} فقال ابن عباس: قولا عدلا.
واستشهد بقول حمزة:
أمين على ما استودع الله قلبه ... فإن قال قولا كان فيه مسددا
(تق) وفي (ك، ط) : قولا عدلا حقا - الكلمة من آية: النساء 9: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ، فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} .
والأحزاب 70: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا وليس في القرآن من السداد غيرهما. وفيه من المادة سدّ، مفردا في آيتي يس 9: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ والكهف 94: قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا.
ومثنى في آية الكهف 92: حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا.
فى آية النساء، روى الطبري من اختلاف أهل التأويل، أنه الحق، عن ابن عباس، والعدل والإحسان، والنهى عن الحيف والجور، وقيل هو التعريف بما أباح الله في الوصية، وهذا أولى الأقوال عنده بالصواب، ولا تكاد أقوال المفسرين تخرج عن هذا، وإن بسطوا القول في شرح الآية وسبب نزولها.
وتفسير «سديد» بعدل وحق، لا يفوتنا معه ملحظ اختصاص الكلمة بالقول في الآيتين وفي الشاهد من قول حمزة، بن عبد المطلب رضي الله عنه. مع التفات إلى ما في السداد من معنى الاستقامة والصواب (الراغب) .
وأصل السدد في العربية ما تسدّ به الثلمة، ومنه السدادة، والسّدة: واقية من المطر. والسدّ: الحاجز المانع أو الواقى. ونقل إلى السداد بمعنى الاستقامة، والسداد التوفيق إلى الصواب من القول والعمل والأمر، على حين يغلب اختصاص العدل بالأحكام، نقيض الظلم والجور، ومنه العدل بمعنى المساواة.
ويبدو الفرق الدقيق بين سديد وعدل، إذا تدبرنا الاستعمال القرآني للعدل.
فيهدينا سياق آياته، إلى معنى المساواة في مثل آيات:
الأنعام 1: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. ومعها آية الأنعام 150 النساء 3: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ومعها آية النساء 129 النساء 135: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا.
وقريب منه معنى العوض في آيات: البقرة 48، 123، والأنعام 70.
وبمعنى العدالة في الحكم وما يجري مجراه كالتحكيم والشهادة، بصريح آيات الأحكام.
المائدة 95، 106، والطلاق 2.
النساء 58: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ومعها آية الحجرات 9 البقرة 282: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ...
المائدة 8: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى.
ويأتي العدل في البيان القرآني متعلقا بالكلمة والقول، في سياق الحكم العادل نقيض الظلم والجور، كآيتي الأنعام:
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 115 وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 152 فلعل السداد أخص بالقول والرأى، صوابا وإصلاحا. ودلالة العدل أعم، مع غلبة مجيئها في الأحكام، والله أعلم.