{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) }
وسأله نافع عن قوله تعالى: {إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا} قال: إثما.
واستشهد ببيت الأعشى:
فإنى وما كلفتموني من أمركم ... ليعلم من أمسى أعقّ وأحوبا
(تق، ك، ط) وفي (وق) : قال فيه الأعشى:
وإنى وما كلفتموني وربكم ... لأعلم من أمسى أعقّ وأظلما
ولا محل فيه للشاهد.
-الكلمة من آية النساء 2:
{وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ، وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا} وحيدة في القرآن صيغة ومادة.
وبالإثم تأولها أبو عبيدة في (مجاز القرآن) وقال الفراء في (معاني القرآن، آية النساء) الحوب الإثم العظيم، ورأيت بني أسد يقولون: الحائب القاتل. وقد حاب يحوب. ومنه الحديث «اللهم اغفر لي حوبتى» وهو يتحوب من القبح يتحرج منه (1/ 253) وفعلت كذا لحوبة فلان، أي لحرمته. وما يأثم الرجل إن لم يفعله (س) وفي الطبري عن ابن عباس: إثما عظيما، وعن قتادة: ظلما كبيرا وهو الإثم كذلك في جامع القرطبي، عن ابن عباس والحسن وغيرهما. قال: وأصله الزجر للإبل فسمى الإثم حوبا لأنه يزجر عنه، والحوبة أيضا. وقال الأخفش هي لغة بني تميم، وعن مقاتل: لغة الحبشة. وفسره الراغب بالإثم كذلك: لكونه مزجورا عنه. والأصل فيه: حوب، لزجر الإبل؛ وفلان يتحوب من كذا: يتأثم، وقولهم: ألحق به الحوبة، أي المسكنة والحاجة؛ وحقيقتها هي الحاجة التي تحمل صاحبها على ارتكاب الإثم .. (المفردات) .
والذي في (النهاية لابن الأثير) أن الحوب الإثم، تفتح الحاء وتضم، وقيل:
الفتح لغة الحجاز، والضم لغة الحبشة. وذكر الحديث أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم الإذن في الجهاد، قال: «ألك حوبة» قال: نعم.
قال ابن الأثير في الحوبة: يعني ما يأثم به إن صنعه. وتحوب من الإثم توقاه وألقى الحوب عن نفسه. وقيل: الحوبة هاهنا: الأم والحرم اللائى لا يستغنين عمن يقوم عليهن ويتعهدهن، ولا بد في الكلام من حذف مضاف تقديره: ذات حوبة وذات حوبات. والحوبة الحاجة، ومنه حديث الدعاء: «إليك أرفع حوبتى» أي حاجتى. وفي الحديث أن أبا أيوب أراد أن يطلق أم أيوب فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: «إن طلاق أم أيوب لحوب» أي: لوحشة أو إثم (النهاية) .
وتجمع الدلالة المعجمية بين هذه المعاني جميعا، ففيها: الحوب والحوبة الأبوان والأخت والبنت. ولي فيهم حوبة: أي قرابة من الأم، والحوبة: رقة فؤاد الأم:
والحوبة أيضا: الإثم، كالحاجة والحاب والحاب والحوب، ويضم، والوجع، والجهد والمسكنة، وزجر الإبل. والحوب بالضم: الهلاك والبلاء والمرض والنفس ...
وفى (مقاييس اللغة) أن الحاء والواو والباء «أصل واحد يتشعب إلى: إثم، أو حاجة، أو مسكنة. وكلها متقاربة» .
والقرآن قد خص الحوب بأكل الأوصياء على اليتامى أموالهم، وأطلق الإثم عامّا في أكل أموال اليتامى، وفي الخطيئة والخيانة والفواحش والكفر. مما يؤنس إلى أن ملحظ القربى في الضعاف من ذوى الأرحام، أصيل في الدلالة. ومن رقة فؤاد الأم، جاء الحوب في الضعف والألم والجهد، ومنه جاء معنى الإثم في ظلم الضعفاء من ذوى القربى بخاصة. والله أعلم.
ويؤنس إلى هذا الفهم، حديث «ألك حوبة؟» بمعنى الأم والحرم اللائى لا يستغنين عمن يقوم عليهن. وهو واضح كذلك في حديث طلاق أم أيوب وفي الشاهد من بيت الأعشى.