فهرس الكتاب

الصفحة 524 من 546

{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) }

وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله عز وجل: {لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً} فقال ابن عباس: لا يخافون لله عظمة.

واستشهد بقول أبي ذؤيب:

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عوامل «1»

(ظ في الروايتين) وفي (تق، ك، ط) قال: لا تخشون لله عظمة.

والكلمة من آية نوح 13، خطابا لقومه:

ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً.

الرجاء في (الأضداد: للأصمعي، وأبي حاتم السجستاني،) وابن الأنباري، وابن السكيت) بمعنى الطمع وبمعنى الخوف.

وأورده ابن قتيبة في باب المقلوب من تأويل المشكل: رجوت بمعنى خفت، قال الله سبحانه ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً.

وقيل هي لغة حجازية، وفي لغة كنانة وخزاعة ونصر وهذيل، بمعنى المبالاة (السجستاني وابن الأنباري) وحكاه الأزهري والزمخشري والقرطبي: عن أهل اللغة.

والجمهرة من أهل التأويل على أن معناها في آية نوح: لا تخافون لله عظمة، أو: لا تخشون، ولا تبالون. سوى الزمخشري فإنه ذهب إلى أنها بمعنى الأمل.

وعلق الوقار بالمخاطبين، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب. ووجه هذا التأويل عنده تقدّم لفظ الجلالة «لله وقارا»

فهو بيان له، ولو تأخر - أي: وقارا لله - لكان صلة للوقار (الكشاف) وفيه بعد من تكلف الصنعة.

والفعل من الرجاء يأتي في القرآن الكريم على الوجهين، قال الراغب:

«لا ترجون» : لا تخافون - وأنشد بيت أبي ذؤيب - وبالضد قال تعالى: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ} ، {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} - المفردات.

قال الفراء في الآية: وقد قال بعض المفسرين أن معناه: تخافون، ولم نجد معنى الخوف يكون رجاء إلا ومعه جحد، والعرب لا تذهب بالرجاء مذهب الخوف إلا مع الجحد. وحكاه عنه الأزهري في تهذيب اللغة.

وقال السجستاني: والرجاء يكون طمعا ويكون خوفا، وفي القرآن في معنى الطمع وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها قال كعب (بن زهير) :

أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل

والرجاء في القرآن بمعنى الخوف كثير: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وقال أبو ذؤيب:

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل

(الأضداد، ف 8/ 110) .

فهل من ضابط لهذه الضدية، في البيان القرآني؟

قد يشهد القول الفراء إنها لا تجئ في معنى الخوف إلا جحدا، الاستقراء للكلمة في القرآن الكريم وتدبر سياقها:

جاءت في مثل سياق آية نوح مع الجحد، في قوله تعالى: لا يَرْجُونَ لِقاءَنا يونس 7، 11، 15، والفرقان 21.

لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ الجاثية 14.

لا يَرْجُونَ نُشُوراً الفرقان 40.

إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً النبأ 27 ومعها آية النور 60 وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً.

وأما في غير الجحد، فأكثر ما تجئ بمعنى الطمع والأمل:

القصص 86: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ الإسراء 28: ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها البقرة 218: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ الإسراء 57: يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ..

فاطر 29: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ الزمر 9: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ هود 62: قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا لكنها أقرب إلى معنى الخوف، في آيات.

العنكبوت 5: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ الأحزاب 21: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ومعها الممتحنة 6.

الكهف 110: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً ..

العنكبوت 36: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ فلعل الوجه في تأويل الرجاء بالخوف أن الراجى غير مستيقن من تحقق رجائه، فالراجى يخاف فوت المرجو

وإخلافه «فالرجاء والخوف متلازمان لأن من يرجو الشيء يخاف ألا يكون» كما قال الراغب. والله أعلم.

(1) مثلها رواية ابن قتيبة في تأويل المشكل، وابن الأنباري في الأضداد، والزمخشري في الأساس (نوب) وفي

الكشاف: ... عواسل

ورواية الديوان، يصف عسّالا: ... إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها

وحالفها في بيت نوب عواسل

وهما روايتان في البيت (شرح السكرى، وشرح شواهد الكشاف) . وبإحداهما أو الأخرى، يأتي في كتب اللغة والتفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت