{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) }
وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: {الْبائِسَ الْفَقِيرَ} .
فقال ابن عباس: البائس الذي لا يجد شيئا من شدة الحال.
واستشهد له بقول «طرفة بن العبد» :
يغشاهم البائس المدفّع والضي ... ف وجار مجاور جنب
(تق، ك) «1» - الكلمة من آية (الحج 27) خطابا لإبراهيم عليه السلام:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ، فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ.
وحيدة الصيغة في القرآن.
ومعها وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ في آية الأعراف 165.
ومن المادة، جاءت «البأساء» مع الضراء في آياتها الأربع: البقرة 177، 214 والأنعام 42، والأعراف 94.
وآيتا هود 36 ويوسف 96؛ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ تَعْلَمُونَ.
وجاء الفعل الجامد «بئس» تسعا وثلاثين مرة، و «بأس» نكرة ومعرفة، خمسا وعشرين مرة.
فى تأويل الطبري: «البائس هو الذي أضر به الجوع والزمانة والحاجة. والفقير الذي لا شيء له» . يوهم أن الإطعام للبائس وللفقير. والفقير في الآية من صفة البائس كما لحظ القرطبي وقال: وهو الذي ناله البؤس وشدة الفقر.
وفى البائس صريح الدلالة على البؤس، وكذلك البأساء. والشدة أصل في المعنى؛ وتفرق العربية بين صيغ المادة لملاحظ من فروق الدلالات: فتجعل البأس للقوة والسطوة والشدة في الحرب، وفعله: بؤس بأسا. حين تجعل البؤس والبؤسى، من: بئس، لشدة الكرب والحاجة، وتجعل البأساء للمكاره. وقالوا للشجاع القوى: بئيس، وللأسد: بيأس، على وزن ضيغم. وللمحتاج المكروب: بائس. وليس كل بائس فقيرا، ولا كل فقير بائسا، فمع الزهد والتعفف لا يكون بؤس. ومن هنا جمعت الآية بين الصفتين «البائس الفقير» ولو لم يلحظ في البائس سوى العوز، لأغنى الفقير عن ذكره، كما في آيات: البقرة 268، 271، وآل عمران 181، والنساء 135، والتوبة 60، وفاطر 15، ومحمد 38.
وقول «الراغب» في (المفردات) : «البؤس والبأس والبأساء، الشدة والمكروه.
إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية».
يرد عليه أن البأساء جاءت في آياتها الأربع مقترنة بالضراء، فهى إلى المكاره أقرب منها إلى النكاية.
كما يرد على قوله: البؤس في الفقر والحرب أكثر؛ أن القرآن يستعمل الفقر مقابل الغنى بصريح آيات:
آل عمران 181: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ النور 32: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
فاطر 15: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
محمد 38: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ.
وكذلك يأتي البأس، لا البؤس، في الحرب والقتال وفي الجبروت والسطوة، بصريح آيات:
الأنعام 65: وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ.
النساء 84: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
النمل 33: نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ. ومعها: الفتح 16 الحشر 14: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى.
والبائس في الشاهد من قول طرفة. موصوف بالمدفّع، وهو المهان (ق) ومن المجاز: فلان مدفع، وهو الذي يدفعه كل أحد عن نفسه (س) .
وانظر الفرق بين الفقير والبائس، في (الفروق اللغوية: 147) .
(1) المسألة كلها، في السقط من (ط) .