{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) }
وسأل نافع عن معنى قوله تعالى: {وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ} .
فقال ابن عباس: أتبعنا على آثار الأنبياء. أي بعثنا.
واستشهد بقول عدى ابن زيد:
يوم قفّت عيرهم من عيرنا ... واحتمال الحيّ في الصّبح فلق
(تق، ك، ط) السؤال في روايتى (ظ) عن قوله عز وجل: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ قال ابن عباس: لا تقل ما ليس لك به علم «1» .
وشاهده بيت زهير:
إذا ما رأيت المرء يقفو نفسه ... والمحصنات فما لذاك حوير
-الكلمة من آية المائدة 46، في الأنبياء المرسلين:
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ.
ومعها: آية الحديد 27.
وآية البقرة 87: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ.
وجاء الفعل الثلاثي في آية الإسراء 36: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. وفيها السؤال في (ظ) .
وهذا هو كل ما في القرآن من المادة.
وما نقل عن ابن عباس في تفسيرها، تقريب. وقيدها «الراغب» في (المفردات) باتباع من خلف. راجعا بها إلى أصل مأخذها من القفا، كالإرداف من الردف، والتعقيب من العقب، والتذييل من الذيل.
وتعلّق «على آثارهم» ب: قفّينا، يفيد معنى التأييد واتباع نهج من مضى من الرسل عليهم السلام، من حيث يأتي النبى المرسل، مصدقا لمن سبقه من الرسل، تقفية على آثارهم. والعرب تقول: قفوت أثره، إذا تتبعت خطوه لا أحيد عنه.
وأغنت «على آثارهم» في السياق، عن الاحتراز بما يكون من التقفية مطاردة أو صدّا وإدبارا، ومنه في الحديث: «فلما قفى قال» أي ذهب موليا.
قال ابن الأثير: كأنه من القفا، أي أعطاه قفاه وظهره.
ومثله الحديث: «ألا أخبركم بأشدّ حرّا منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين المقفّين» أي الموليين. (النهاية) واضح من سياق الكلمة القرآنية في آياتها الثلاث، أن التقفية على آثار الرسل عليهم السلام، إتباع تصديق وتأييد.
ويرد على الاستشهاد لمعنى الإتباع في الآية، بقول عدى بن زيد: يوم قفّت عيرهم من عيرنا* أن الفعل فيه تعدى بحرف «من» فأفاد التولى والإدبار ممن احتملوا للرحيل، وهو في الآية متعد بحرف «على» آثارهم، فأفاد تتبع النهج والسير على الأثر. والله أعلم.
(1) انظر في المسألة: تهذيب الألفاظ لابن السكيت (458) وحواشيه (816) ومفردات الراغب (ق ف 1) وجامع القرطبي، سورة الإسراء (10/ 257) .