من الظواهر الأسلوبية اللافتة في البيان القرآني، ظاهرة الاستغناء عن الفاعل التي توزعت في دراساتنا وكتبنا بين أبواب شتى متباعدة، لا تعطى سر هذا الاستغناء.
فأنت تقرأ في علم الصرف كيفية بناء الفعل للمجهول وصيغ المطاوعة، وتقرأ في علم النحو أحكام نائب الفاعل، أما لماذا حذف الفاعل وبنى فعله للمجهول، فذلك موضوع آخر تدرسه في علم آخر هو علم المعاني التي انفصلت عن الإعراب فعاد هذا الإعراب صنعة، وهو في الأصل مناط المعنى. كما تدرس في علم البيان إسناد الفعل إلى غير فاعله على سبيل المجاز.
دون أن يحاول أحد الدارسين فيما أعلم، أن يجمع هذا الشتات المنتثر لظاهرة أسلوبية واحدة، لاستجلاء سرها الذي من أجله تستغنى العربية عن الفاعل فتسنده إلى غير فاعله، بالبناء للمجهول أو المطاوعة أو الإسناد المجازي.
وقد لفتنى اطراد ظاهرة الاستغناء عن الفاعل في البيان القرآني، في موقف القيامة. أما بالبناء للمجهول في مثل آيات:
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ* وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا* وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا* وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا* وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى.