{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) }
وسأل ابن الأزرق عن قوله تعالى: {فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .
فقال: يلعبون ويترددون.
وشاهده قول الأعشى:
أرانى قد عمهت وشاب رأسى ... وهذا اللعب شين بالكبير «1»
(تق، ك، ط) - الكلمة من آية البقرة 15:
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
ومعها فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ بآيات: الأنعام 110، الأعراف 186، يونس 11، المؤمنون 75.
وآيتا: الحجر 72، في الفاسقين من آل لوط: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ.
والنمل 4 في الكافرين: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ.
وليس في القرآن من المادة غير هذا الفعل المضارع في الآيات السبع. والعمه فيها ضلال وطغيان، وغفلة سكر وعمى بصيرة، كأنه قريب من العمى. والأرض العمهاء في العربية، التي لا أعلام فيها. وقالوا: ذهبت إبله العمهى، حين لا يدرى أين ذهبت. (المقاييس: عمه) وحكاه عن الخليل ويعقوب. وفسر بها «يعمهون» والتفت «ابن الأثير» إلى صلة بين العمه والعمى، قال: العمه في البصيرة كالعمى في البصر، وقد تكرر في الحديث (النهاية) .
وفى تأويل آية البقرة 15، قال أبو عبيدة في (مجاز القرآن) : يقال: رجل عمه وعامه، أي جائر عن الحق. قال رؤبة:
ومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى بالجاهلين العمّه
وفى تأويل ابن قتيبة (بكتاب القرطين 1/ 23) : يعمهون، يركبون رءوسهم فلا يبصرون، ومثله أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
ونقل قول أبي عبيدة، وشاهده من رجز رؤية. فتأويلها في المسألة بالتردد واللعب، يقبل في آل لوط لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ لكنه في سائر الآيات من الضلال وعمى البصيرة. أو كما في تأويل الطبري: والعمه نفسه: الضلال، يقال منه: عمه عمها وعمهانا وعموها إذا ضل. والعمّه جمع عامه - وأنشد رجز رؤبة - فمعنى فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ: في ضلالهم وكفرهم الذي [غمرهم] دنسه وعلاهم رجسه، يترددون حيارى ضلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا.
وبنحو الذي قلناه جاء تأويل المتأولين.
(1) في ملحقات ديوانه (544 ط أوربا) أحد بيتين مفردين.