{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) }
وسأل نافع عن قوله تعالى: {كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ} فقال: مقرّون.
واستشهد بقول عديّ بن زيد:
قانتا لله يرجو عفوه ... يوم لا يكفر عبد ما ادّخر
(تق، ك، ط) - الكلمة من آية: البقرة 116: سُبْحانَهُ، بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ والروم 26: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ومعهما اسم الفاعل، مفردا، وجمعا في آيات:
الزمر 9: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ النحل 120: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
البقرة 238: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ آل عمران 17: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ النساء 34: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ.
ومعها آيتا: الأحزاب 35، والتحريم 5 في نساء النبى عليه الصلاة والسلام، وآية التحريم 12 في مريم عليها السلام.
وجاء الفعل مرة واحدة في آية الأحزاب 31، خطابا لنساء النبى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وتفسير القنوت بالإقرار، لا يكون إلا على وجه تقريب لا يفوتنا فيه أن الإقرار يغلب أن يصدر على وجه الإلزام، وقد يكون عن تقيّة وخوف، ولا يكون القنوت إلا عن خشوع صادق. يؤيد هذا الملحظ أن القرآن لم يستعمل القنوت إلا لله ورسوله، والقانتون والقانتات فيه هم الصفوة المؤمنون العابدون.
وجوهر الفرق أن القنوت من أفعال القلوب كالخشوع والتقوى، وليس الإقرار كذلك. وفي القرآن منه، آية البقرة 84 خطابا لبني إسرائيل فيما نقضوا من ميثاق بعد الإقرار: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ* ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ.
وآية آل عمران 81: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي، قالُوا أَقْرَرْنا، قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ* فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
ملحظ الإلزام في الإقرار واضح، فاحتاج إلى الإشهاد عليه وكان نقضه بعد إقراره، إثما وعدوانا وفسقا.
وقول «الراغب» : القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع، وفسّر بكلّ واحد منهما في قوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قيل: خاضعين، وقيل طائعين، وقيل ساكتين، لم يعن به: عن الكلام، وإنما عنى به ما قال عليه السلام: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي قرآن وتسبيح» .
(المفردات) يرد عليه أن الخضوع، قد يكون أيضا عن قسر وخوف أو عن تقية ومداراة.
وهذا وجه تخصيصه عند الفراء، فقال في معنى آية البقرة 116: يريد مطيعين، وهذه خاصة لأهل الطاعة، ليست بعامة (1/ 141) ومن معاني القنوت عند ابن الأثير: الطاعة، والخشوع - وهو غير الخضوع - والصلاة. والدعاء والعبادة وطول القيام والسكوت (النهاية) ولا يخرج عما في المعاجم. وهي معان متقاربة، وفيها من الخشوع والتواضع لله عز وجل، ما ليس في الإقرار الذي قد يكون عن إلزام بالخضوع.
والله أعلم.