{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) }
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: {ثَقِفْتُمُوهُمْ} .
فقال ابن عباس: وجدتموهم. سأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال:
نعم، أما سمعت قول حسان:
فإمّا تثقفنّ بني لؤيّ ... جذيمة إنّ قتلهم دواء
-الكلمة من آية: البقرة 191:
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ* فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
والنساء 91: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ، كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها، فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا
ومعهما الفعل الماضي مبنيّا للمجهول في آيتي: آل عمران 112 في الفاسقين من أهل الكتاب ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا.
والأحزاب 61: في المنافقين والذين في قلوبهم، مرض والمرجفين في المدينة مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا وجاء الفعل مضارعا، في آيتي: الأنفال 57: {الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ* فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} .
والممتحنة 2: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي، تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ، وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ* إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} .
وهذه الكلمات الست، هي كل ما في القرآن من المادة.
حرصت على نقل آياتها جميعا، ليتضح سياقها في القتال؛ والعداوة. فتفسيرها ب: وجدتموهم؛ لا يفوتنا معه ملحظ اختصاص الكلمة بهذا السياق، في كل آياتها.
بالقرآن، وكذلك في الشاهد الشعرى من همزية حسان رضي الله عنه. وقد فسرها الطبري - ولم يذكر فيها خلافا - ب: اقتلوهم حيث أصبتم مقاتلهم وأمكنكم قتلهم. وهو معنى (حيث ثقفتموهم) ومعنى الثقفة بالأمر الحذق به والبصر. يقال:
إنه ثقف لقف، إذا كان جيد الحذر بصيرا بمواقع القتل. فأما التثقيف فمعنى غير هذا وهو التقويم. فمعنى الآية، اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم وأبصرتم مقاتلهم (2/ 111 البقرة) ومعنى الكلمة عند الفراء: أسرتهم (1/ 414) .
وردّ «الراغب» الكلمة في آيات آل عمران والأنفال والأحزاب، إلى معنى الحذق والإدراك (المفردات) .
وابن الأثير فسرها بالفطنة والذكاء في حديث الهجرة: «وهو غلام لقن ثقف» وفي حديث أم حكيم بنت عبد المطلب: «إنى حصان فما أكلّم، وثقاف فما أعلّم» وأخذه من التثقيف والإصلاح في قول السيدة عائشة أم المؤمنين تصف أباها:
«وأقام أودها بثقافه» تعنى أنه سوّى عوج المسلمين، وأما في حديث: «إذا ملك اثنا عشر من بني عمرو بن كعب كان الثقف والثقاف» ففسرهما ابن الأثير بالخصام والجلاد (النهاية) .
والعربية تعرف في المادة معنى الفطنة، في الثقافة بمعنى الحذق. وتقول: ثقف فلانا، إذا أخذه وظفر به أو أدركه. كما تعرف الثّقاف بمعنى الخصام والجلاد، مأخوذا من الثقاف: ما تسوى به الرماح تهيئة للجلاد (ص، س، ق) وغير بعيد أن نلمح في آيات (ثقف) في القرآن، دلالة فطنة المأخذ وإدراك العدو وجلاده. ويتضح الفرق بينها وبين (وجد) إذا ذكرنا مع ما تقدم من استقراء لمواضع استعمال الكلمة في سياق العداوة والقتال، أن القرآن وإن استعمل (وجد) في السياق نفسه، في آيتي: النساء في المنافقين وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا 89 والتوبة في المشركين: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 5 إلا أن «وجد» تأتي كثيرا في البيان القرآني في غير هذا السياق، أذكر منها آيات الضحى خطابا للرسول عليه الصلاة والسلام:
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى * وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى.
ص 44، في أيوب: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ طه 10: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى * إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً.
يوسف 94: قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ.
الكهف 37: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا} .
الجن 22: {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} المزمل 20: {وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} والبقرة 110.
مما يؤنس إلى أن (وجد) أعم في الدلالة من (ثقف) التي تأخذ في العربية دلالة الثقافة والثقاف، وتأتي في البيان القرآني بملحظ من فطنة للعدو، وبصر بموضعه ومأخذه ... والله أعلم.