{فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) }
وسأل نافع عن قوله تعالى: {خامِدِينَ} .
فقال ابن عباس: ميتين.
واستشهد له بقول لبيد:
خلّوا ثيابهم على عوراتهم ... فهم بأفنية البيوت خمود «1»
(تق) وفي (ك، ط) قال:
أصبح قوم صالح في ديارهم ميتين.
-الكلمة من آية الأنبياء 15:
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ* فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ* لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ* قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ* فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ. ومعها آية «يس» في أصحاب القرية:
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ 29.
لم يأت غيرهما من المادة.
والأكثر عند أهل العربية وأهل التأويل، تفسيرها بالهمود كما تخمد النار وتطفأ (البخاري: ك التفسير، سورة الأنبياء. وأبو عبيدة في مجاز القرآن) ولم يذكر الطبري خلافا في تأويلها بالهمود كما تخمد النار. وأسنده عن ابن عباس بلفظ:
خامدين خمود النار إذا طفئت. قال الزمخشري: نار خامدة وقد خمدت، سكن لهبها وذهب حسيسها، وللنار وقدة ثم خمدة. على أنه ذكر من المجاز: خمدت الحمى سكنت، وخمد فلان مات أو أغمى عليه «فإذا هم خامدون» (س) ونحوه في مفردات الراغب.
فلنذكر معه أن القرآن الكريم لم يستعمل الكلمة إلا في أهل القرية، وقرية كانت ظالمة، وقد استعمل الموت نحو مائة وعشرين مرة، بمختلف الصيغ، الفعل الماضي ثلاثيا ورباعيا، ومضارعهما وأمر الثلاثي، والاسم والمصدر: موت وممات، واسمى المرة والهيئة: موتة وميتة، وميت، وأموات وموتى وميتون ...
واضح من سياقها الموت مقابل الحياة، فهو تعالى الذي يحيى ويميت، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وكل نفس ذائقة الموت.
وطبيعية الموت المحتوم على كل كائن حى، ليست الملحوظة في الذين حقّت عليهم، بظلمهم، لعنة القصم الماحق لا يبقى ولا يذر، والهلاك المباغت لا مفر منه.
ودلالة الأخذ المباغت، صريحة في «صيحة واحدة» بآية يس، وفي «إذا» الفجائية في آية الأنبياء. فالخمود في هذا السياق، والله أعلم، همود يباغت من أخذتهم صيحة واحدة، وهم في عنفوان الحياة وغرور الأمل وضجيج التكالب على الدنيا، وهو شلل الحركة فيمن يركضون التماسا لمهرب لما رأوا بأس الله عز وجل، حين لا يجدي ركضهم ولا ينفعهم إقرارهم بظلمهم {حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ} صدق الله العظيم.
(1) وقع في مطبوعة (تق) [حلوا ثيابهم] وقوله:* خمود* كما في الثلاثة، هو محل الشاهد. ورواية الديوان، ط الكويت:
فهم بأفنية البيوت همود ... ولا محل فيها للشاهد.