فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 546

{وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) }

وسأله ابن الأزرق عن قوله تعالى: {وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ} .

فقال: ليكسبوا ما هم مكتسبون.

وشاهده قول لبيد:

وإنى «1» لآتى ما أتيت وإننى ... لما اقترفت نفسى عليّ لراهب

(تق، ك، ط) - الكلمة من آية الأنعام 113:

وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا، وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ، فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ* وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ، وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ.

ومعها الفعل الماضي في آية التوبة 24:

قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.

والفعل المضارع في آيتي:

الشورى 23: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ.

والأنعام 120: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ.

تأويلها في المسألة بالكسب والاكتساب، قال نحوه الفراء في معنى الكلمة:

الاقتراف الكسب، تقول العرب: خرج فلان يقترف لأهله (معاني القرآن، سورة الأنعام) .

وأسنده الطبري مع الأقوال في تأويل آية الأنعام، عن ابن عباس وغيره:

فليكتسبوا ما هم مكتسبون. وبهذا التأويل، عن ابن عباس، بدأ القرطبي الأقوال في تأويل الآية.

والكسب من معاني القرف، في المعاجم.

وذكر «أبو مسحل الأعرابى» في (نوادره: 1/ 11) يقرف ويقترف، في ست كلمات أخريات، بمعنى يكسب.

والكسب في القرآن كثير، جاء منه الفعل الثلاثي ماضيا ومضارعا، ثلاثا وستين مرة، بدلالة إسلامية على كسب الأعمال، أو ما يقرب أن يكون منها بسبب، في آية البقرة 267 خطابا للذين آمنوا: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وآية «المسد» في أبي لهب: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ومعها الفعل الماضي من الخماسى، خمس مرات، اثنتان منهما في آيات المواريث: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا، وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ والثلاث الأخرى فيما (اكتسب، اكتسبت، اكتسبوا) من الأعمال.

فهل يترادف الاقتراف والاكتساب؟

الذي في (مجاز القرآن، لأبي عبيدة، آية الأنعام) : مجاز الاقتراف القرفة والتهمة والدعاء. ويقال: بئسما اقترفت لنفسك، قال رؤبة:

أعيا اقتراف الكذب المقروف ... تقوى التقيّ وعفة العفيف

وهو من شواهد الطبري والقرطبي، لقول من قال ان الاقتراف التهمة والادعاء.

وأدخل «ابن السكيت» القرف، في (باب التهمة، من تهذيب الألفاظ) قال:

فلان قرفني، أي تهمتى وقارف شيئا من الأمر، واقعه.

وكذلك مال «أبو حيان» في (البحر المحيط) إلى تقييد الاقتراف، في آية الأنعام، بالآثام.

على أن «ابن فارس» في (مقاييس اللغة) قال في «ك س ب: أصل صحيح يدل على ابتغاء وطلب وإصابة. فالكسب من ذلك. ويقال: كسب أهله خيرا، وكسبت الرجل مالا

فكسب. وهذا مما جاء على: فعلته ففعل».

وقال في «ق ر ف: أصل صحيح يدل على مخالطة الشيء والالتباس به وادّراعه. وأصل ذلك القرف وهو كل قشر. لأنه لباس ما عليه. ومن الباب:

اقترف الشيء اكتسبه. وكأنه لابسه وادّرعه. ويقرف بكذا، يرمى به. ويقال للذى يتّهم بالأمر: القرفة. يقول الرجل إذا ضاع له شئ: فلان قرفني. أي الذي أتّهمه ... وقارف فلان الخطيئة: خالطها .. والقرف الوباء يكون بالبلد، كأنه شيء يصير مرضا لأهله كاللباس.

وفي الحديث أن قوما شكوا وبأ أرضهم، فقال - صلى الله عليه وسلم: (تحولوا، فإن من القرف التلف) .

ونحوه، ما في أساس الزمخشري (قرف) .

وتوجيه القرف والاقتراف عند «الراغب» أن الاقتراف بمعنى الاكتساب، إنما هو من قبيل الاستعارة. قال: «أصل القرف والاقتراف قشر اللحاء عن الشجر، والجلدة عن الجرح. واستعير للاكتساب حسنى كان أو سوأى، قال - تعالى - سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها والاقتراف في الإساءة أكثر استعمالها، ولهذا يقال: الاعتراف يزل الاقتراف.

وقرفت فلانا بكذا، إذا عبته به واتهمته، وقد حمل على ذلك وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ وفلان قرفني، ورجل مقرف: هجين. وقارف فلان أمرا، إذا تعاطى ما يعاب به.»

(المفردات)

وعلماء غريب الحديث، يذكرون المقارفة بمعنى المداناة والملابسة في حديث الإفك: (إن كنت قارفت ذنبا) والقرف بمعنى الوباء، في حديث الشكوى من قرف أرض وبئة: «فإن القرف من التلف» (مشارق الأنوار، والنهاية) .

بهذا كله نستأنس لفهم فروق الدلالات بين الاقتراف والاكتساب.

الأصل في القرف القشر، ومنه: القرفة، لحاء شجر معروف. وقرف القرحة قشرها. والقرف بالتحريك مداناة المرض وملابسته، ومنه الملابسة والمخالطة، وقارف الذنب واقعه، والأمر لابسه. فينقل إلى الاكتساب.

والكسب في أصل استعماله، للتجارة. ومنها نقل إلى الدلالة الإسلامية، في كسب الأعمال.

والله أعلم.

(1) من (تق) والديوان وفي (ك، ط) : وإنى لآت.

ووقع الشطر الثاني في مطبوعة الديوان (متفرقات 349) لما افترقت نفسى*.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت