{وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) }
وسأل نافع عن قوله تعالى: {لا يَلِتْكُمْ} فقال ابن عباس: لا ينقصكم، بلغة بني عبس.
واستشهد له بقول الحطيئة العبسى:
أبلغ سراة بني سعد مغلغلة «1» ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا
(تق، ك، ط) - الكلمة من آية الحجرات 14.
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ، وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ومعها الفعل الماضي من المهموز في آية الطور 21:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ.
لا يَلِتْكُمْ قراءة الأئمة، سوى أبي عمرو ابن العلاء فقرأها «يألتكم» بهمزة ساكنة بعد الياء، وإذا خفف أبدلها ألفا: يالتكم. (التيسير) .
وهما لغتان: لاته يليته ليتا، وألته يألته ألتا، نقصه ومنعه. وفيها لغة ثالثة:
ألاته، من الرباعي، حكاها أبو عبيدة والأزهري، والهروي في الغريبين. واقتصر الفراء على اللغتين في القراءة، وكذلك ابن الأنباري وقال: والقراءتان بمعنى واحد: نقصهم وشاهدهم، لقراءة أئمة الحجاز والشام والبصرة، غير مهموز، قول رؤبة:
وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتنى عن سراها ليت
وللمهموز، قول الحطيئة: أبلغ سراة ... البيت، وهو الشاهد في المسألة، فكأن
ابن عباس فسرها على قراءة «يألتكم» التي انفرد بها أبو عمرو. واختارها السجستاني كذلك، اعتبارا بقوله تعالى: وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وأنشد بيت الحطيئة. وفي الكشاف: لا ينقصكم ولا يظلمكم يقال ألته السلطان حقه أشد الألت. وهي لغة غطفان - وعبس منهم - ولغة أسد وأهل الحجاز:
لاته ليتا.
لكنها ليست اختيار أبي عبيدة، والفراء، قال:
لا يَلِتْكُمْ لا ينقصكم ولا يظلمكم من أعمالكم شيئا وهي من: لات يليت، والقراء مجمعون عليها. قد قرأ بعضهم «لا يألتكم» ولست أشتهيها، لأنها بغير ألف كتبت في المصاحف وليس هذا بموضع يجوز فيه سقوط الهمزة. ألا ترى إلى قوله تعالى: «يأتون» و «يأمرون» و «يأكلون» لم تلق الألف في شيء منه لأنها ساكنة، وإنما تلقى الهمزة إذا سكن ما قبلها، فإذا سكنت هي ثبتت ولم تسقط.
وإنما اجترأ على قراءتها «يألتكم» أنه وجد ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ في موضع، فأخذ ذا من ذاك، والقرآن يأتي باللغتين المختلفتين، ألا ترى قوله تُمْلى عَلَيْهِ وفي موضع آخر فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ولم تحمل إحداهما على الأخرى فتتفقا، ولات يليت وألت يألت: لغتان. (معاني القرآن، الحجرات: 3/ 74) .
وهو الصواب عند الطبري، وحكاه عن أهل التأويل قال: لا يَلِتْكُمْ لا يظلمكم من أجور أعمالكم شيئا ولا ينقصكم من ثوابها شيئا. وبنحو الذي قلناه في ذلك قال أهل التأويل. وقرأت قراء الأمصار لا يَلِتْكُمْ بغير همز ولا ألف، سوى أبي عمرو فإنه قرأ «لا يألتكم» اعتبارا منه بقوله تعالى: وَما أَلَتْناهُمْ وأما الآخرون فإنهم جعلوا ذلك من: لات يليت كما قال رؤبة:
وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتنى عن سراها ليت
والصواب عندنا ما عليه قراء المدينة - ومكة والشام - والكوفة لا يَلِتْكُمْ لعلتين: إجماع الحجة من القراء عليها، والثانية أنها في المصحف بغير ألف ولا تسقط الهمزة من مثل هذا الموضع وإنما تسقط إذا سكن ما قبلها. ولا يحمل حرف في القرآن إذا أتى بلغة على آخر جاء بلغة خلافها إذا كانت اللغتان معروفتين في كلام العرب، وقد ذكرنا أن ألت ولات معروفتان من كلامهم.
وجاء بها الراغب في «ليت» عن كذا يليته صرفه عنه ونقصه حقا له «لا يلتكم»
أى لا ينقصكم من أعمالكم شيئا، وأنشد ... ولم يلتنى عن هواها ليت
(المفردات) .
(1) مثلها رواية الديوان، وابن الشجرى في مختاراته (129) . والبحر المحيط. وأنشده القرطبي، في شواهده، غير منسوب بلفظ:
أبلغ بني ثعل عنى مغلظة