{الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) }
قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} قال: لم يعمروا فيها. قال فيه مهلهل:
غنيت دارنا تهامة في الده ... ر فيها بنو معدّ حلولا
وقال فيه لبيد:
وغنيت سبتا قبل مجرى داحس ... لو كان للنفس اللجوج خلود «1»
(وق) وفي (تق) كأن لم يكونوا. زاد في (ك، ط) في الدنيا حين عذبوا فيها.
والشاهد في الثلاثة بيت لبيد الكلمة من آيات: الأعراف 92: في كفار مدين: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ* الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا، الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ.
هود 68 في الثمود: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ* وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها، أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ، أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ.
هود 95 في مدين: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها؛ أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ.
وفى المعنى نفسه، جاءت في مثل الحياة الدنيا بآية يونس 24
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ.
وفيما عدا هذه الآيات الأربع، جاءت المادة في معنى الغنى، نقيض الفقر والحاجة.
تأويل «كأن لم يغنوا فيها» في (وق:) كأن لم يعمروا، أولى من: كأن لم يكونوا. والشائع في: غنى بالمكان، أنه بمعنى أقام. وإليه ذهب ابن الأثير في حديث عليّ كرم الله وجهه: «ورجل سماه الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما» قال: أي لم يلبث في العلم يوما تامّا، من قولك: غنيت بالمكان أغنى، إذا أقمت (النهاية) وهو لا يفيد معنى التعمير وهو صريح في الشاهدين لمهلهل ولبيد على أن بين (لم يغنوا) ولم يعمروا أو لم يقيموا، فرقا دقيقا في الدلالة، التفت إليه «الراغب» حين ربط الغنى في المكان بأصل دلالته في نقيض الحاجة والفقر. قال: غنى في المكان بمعنى طال مقامه فيه، مستغنيا به عن غيره (المفردات) .
ونضيف إليه ملحظا آخر من دلالة قرآنية خاصة: فالعربية تستعمل غنى بالمكان ولم يغن، إيجابا ونفيا. ولم تأت الكلمة في القرآن إلا منفية، في خبر ديار ثمود ومدين، ومثل الحياة الدنيا. فكأن القرآن لا يرى مقاما في الدنيا، يمكن أن يغني أو يستغني به. وإنما غرّ ثمود ومدين مقامهم بديارهم فأخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا جاثمين كأن لم يغنوا فيها.
وهو السياق في مثل الحياة الدنيا، «حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس» وفي هذا السياق لا تؤدى عمّر، وأقام، معنى «غنى» بما تفيد من وهم الغنى والاستغناء فيما نظنه مغني، إذ ليس من شأن الدنيا الفانية أن يكون فيها مغني إلا غرورا ووهما. والله أعلم
(1) ديوانه، وإصلاح المنطق 10، والروض الأنف 1/ 283 وهو من شواهد أبي حيان في تفسير الآية والسبت: الدهر (ق) وشرح الطوسى للديوان: 35، أي عشت دهرا؛ ويقال: السبت 50 سنة. وضبط مجرى، بفتح الميم وقال: هو أجود الوجهين.