فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 546

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) }

وسأل نافع عن معنى قوله تعالى: {بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ} قال: البأساء الخصب، والضراء الجدب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زيد بن عمرو «1» وهو يقول:

إن الإله عزيز واسع حكم ... بكفّه الضرّ والبأساء والنعم

(تق، ك، ط) الكلمتان [الكلمة] من آية: الأنعام 42: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ والأعراف 94: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ومعهما آيتا البقرة:

وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ 177 أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ 214.

وقد نفهم وجه التقريب في تفسير الضراء بالجدب، على أن يكون تخصيصا من عموم: فالجدب ضراء، والضرّاء تكون من جدب وتكون من غيره، أذى أو محنة وبلاء.

وأما تفسير البأساء بالخصب، كما روى عن ابن عباس، فلا ندري ما وجهه.

فإن يكن نظر فيه إلى فتنة الخصب، كما في آيات: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ فإن سياق آيات البأساء الأربع لا يعين عليه، مع الأخذ والتضرع في آيتي الأنعام والأعراف، ومع الصبر والمسّ في آيتي البقرة.

كما لا أجد فيما بين يديّ من كتب اللغة، ما يؤنس إلى معنى الخصب في البأساء، على الحقيقة أو المجاز. بل تدور في الاستعمال على الشدة والعذاب والداهية والحزن. ومن مادتها. البؤس والبأس والبؤسى، والابتئاس، وفي (الأساس) وقع في البؤس والبأساء، وفي أمر بئيس: شديد، وابتأس بذلك، إذا اكتأب واستكان من الكآبة: فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قال الهروي في تفسير آية البقرة بالغريبين: البأساء الشدة ... وسمعت الأزهري يقول: البأساء في الأموال وهو الفقر، والضراء في الأنفس وهو القتل.

قال: والبؤس شدة الفقر. (1/ 118) .

وقابل على (تهذيب اللغة للأزهري 13/ 108) وبيت «زيد بن عمرو» لا يتعين شاهدا على الخصب، بل يحتمل من قرب أن تكون البأساء فيه مع الضر، ثم قال:* والنعم* ناظرا إلى نقيض الضر والبأساء.

وفرّق «أبو هلال» بين البأساء والضراء فقال: «الضراء هي المضرة الظاهرة؛ والفرق بينهما، أن البأساء ضراء معها خوف، وأصلها البأس وهو الخوف يقال:

لا بأس عليك، أي لا خوف عليك. وسميت الحرب بأسا لما فيها من الخوف» «2» .

وصريح كلامه، أن البأساء أشد من الضراء.

وقد نطمئن إلى أن الشدة أصل في معنى الكلمة، ثم تخالف العربية بين صيغها لملاحظ من فروق الدلالات: فتجعل البأس للقوة وشدة السطوة، والبؤس لشدة الكرب والتعاسة، والبأساء لوطأة المحنة على ما سبقت الإشارة إليه في المسألة رقم 38: وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ والله أعلم.

(1) وقع في (ك، ط) : [أما سمعت يزيد بن عمر وهو يقول] تصحيف. وزيد بن عمرو بن نفيل، والد سعيد بن زيد الصحابى رضي الله عنه، وابن عم عمر بن الخطاب، تحنف في الجاهلية قبيل المبعث،

انظر خبره وشعره في (السيرة الهشامية) 1/ 239 وما بعدها، وشعراء الجاهلية، النصرانية (4/ 619) .

(2) أبو هلال العسكرى: الفروق اللغوية: 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت