فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 546

{أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) }

قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} قال: أفلم يعلم. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول مالك بن عوف: «1»

لقد ييئس الأقوام أنى أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا

(ظ) زاد في (تق، ك، ط) : أفلم يعلم، بلغة بني مالك.

-الكلمة من آية الرعد 31:

وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى، بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا، أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا، وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ وفي القرآن غيرها، الماضي والمضارع من يئس سبع مرات، واستيأس، واستيأسوا، ويئوس ثلاث مرات.

تأويل «أفلم ييأس» في المسألة: أفلم يعلم، قاله جمهور أهل التأويل، بلفظه أو بلفظ: أفلم يتبين، كما في تفسير البخاري. وإن ذكروا اختلاف أهل العلم بكلام العرب، فيه:

قال أبو عبيدة، في الآية: أي أفلم يعلم ويتبين. وعن الكلبى أنها لغة النخع، أو حيّ منهم. حكاه الفراء، والجوهري في (ص) وبها فسر الآية، ومعها في الطبري عن القاسم بن معن أنها لغة هوازن، وحكاهما القرطبي وأبو حيان، وابن حجر في فتح الباري عن الطبري.

وأنشدوا جميعا فيها شاهد المسألة، وبيت سحيم:

أقول لهم بالشعب إذ يأسروننى ... ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم

وأوردها ابن قتيبة في باب المقلوب من (تأويل مشكل القرآن) قال: ويئست بمعنى علمت، من قوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الآية لأن في علمك الشيء وتيقنك له يأسك من غيره. وأنشد بيت سحيم.

وهي عند الزمخشري من المجاز: تقول قد يئست أنك رجل صدق - بمعنى علمت - وأنشد الشاهدين. وذلك أنه مع الطمع القلق، ومع انقطاعه السكوت والطمأنينة كما مع العلم، ولذلك قيل: اليأس إحدى الراحتين. (س) وهو نحو من توجيه الفراء، مع إنكاره أن يكون ييأس بمعنى يعلم محفوظا من كلام العرب. وردّه الطبري بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. وحكاه عنه ابن حجر في (فتح الباري) وفي القرآن الكريم غير آية الرعد، إحدى عشرة كلمة، والذي أطمئن إليه، والله أعلم، أن اليأس فيها على أصل معناه في القنوط وانقطاع الرجاء، بصريح السياق في آياتها البينات:

الطلاق 4: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ المائدة 3: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ الممتحنة 13: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ومعها آية العنكبوت 23 يوسف 87: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ.

يوسف 80: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا يوسف 110: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا هود 9: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ومعها آيتا الإسراء 83 وفصلت 49.

ولا يبعد أن نستأنس بها لفهم اليأس في آية الرعد بمعنى أنه قد آن للذين آمنوا أن يقنطوا من الذين كفروا، ويقطعوا الرجاء فيهم، بما علموا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا نظير قوله عز وجل:

وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ الأنعام 35 وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ يونس 99.

وإجماع أهل التأويل على القول بأن معنى «أفلم ييأس» أفلم يعلم أو: أفلم يتبين، هو مقتضى اليأس من الذين كفروا، كما يفهم من توجيه الفراء وابن قتيبة والزمخشري، وهو صريح قول الراغب: اليأس انتفاء الطمع، يقال: يئس واستيأس، قال تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا وقيل معناها أفلم يعلموا، ولم يرد أن اليأس موضوع في كلامهم للعلم، إنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضى العلم، فإذا ثبوت يأسهم مقتضى حصول علمهم». والله أعلم.

وأحسب أن الشاهد للمسألة، أقوى بمثل هذا التوجيه، مما لو حمل على علم الأقوام بأنه ابن أبيه، وإن كان عن أرض العشيرة نائيا.

(1) مالك بن عوف، في الأربعة. وهو النصرى الصحابى الشاعر، كان رئيس هوازن يوم حنين وأسلم رضي الله عنه ومدح النبى صلى الله عليه وسلم. وعزاه القرطبي لرباح بن عدى.

(2) في رواية أخرى في (ظ) لقد يئس الأقوام* ومثلها في (تق) وفي ك، ط (قد يئس) وفي تفسير الطبري والقرطبي وأبي حيان وفتح الباري: ألم ييأس وفي (س) ألم تيأس/ وإن كنت عن عرض العشيرة/.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت