{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) }
وسأل نافع عن قوله تعالى: {مِنْ كُلِّ فَجٍّ} فقال ابن عباس: طريق.
واستشهد بقول الشاعر:
حازوا العيال وسدّوا الفجا ... ج بأجساد عاد لها آبدات
(تق) وفي (ك) : الشاعر يرثى قوم عاد.
-الكلمة من آية الحج 27: خطابا لإبراهيم عليه السّلام:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
ومعها، بصيغة الجمع، آيتا:
الأنبياء 31: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ.
نوح 20: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا* لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا.
وهذا كل ما في القرآن من المادة.
الفجّ واحد الفجاج عند أهل اللغة: كل سعة بين نشازين (تهذيب الألفاظ باب أسماء الطرق) أو هو الطريق الواسع بين جبلين. والفجّة، بالضم الفرجة (ق) وفرّق الراغب بين طريق وفج، فقال: الطريق السبيل الذي يطرق بالأرجل، وعنه استعير كل مسلك يسلكه الإنسان في فعله، محمود ومذموم. والفج: شقة يكتنفها جبلان، ويستعمل في الطريق الواسع (المفردات) .
وقيده ابن الأثير كذلك بالسعة في حديث الحج: «وكل فجاج مكة منحر» قال: الفجاج جمع فج، وهو الطريق الواسع (النهاية) .
ومما هدى إليه التدبر لآيات القرآن في الفج والطريق:
الفج والفجاج في آياتهما الثلاث، على أصل معناها في الطريق الحسى المطروق.
وأما الطريق، فيأتي حسيّا في آية طه 77 خطابا لموسى عليه السّلام: أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا ومعها المؤمنون 17، في مجرى الأفلاك: «ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق» .
ويأتي في سائر الآيات بدلالة معنوية مجازية، كآيات:
الأحقاف 30: يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ.
النساء 168: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا* إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وفي المعنوى كذلك، تأتي طريقة وطرائق في آيات:
طه 104: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا* يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا* نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا الجن 11: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ، كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا الجن 16: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا ولاختصاص فجاج، بالطرق الحسية، جاءت: «فجاجا سبلا» «سبلا فجاجا» ولم تأت سبل مع طرائق وطريق وطريقة إذ يغلب استعمالها بدلالة مجازية معنوية للمسلك محمودا أو مذموما، استعارة من الطريق المطروق، كما قال «الراغب» والله أعلم.