{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) }
وسأله ابن الأزرق عن معنى قوله عز وجل: {إِلى بارِئِكُمْ} .
قال: إلى خالقكم.
واستشهد بقول تبّع «1» :
شهدت على أحمد أنه ... رسول عن الله بارئ النّسم
(تق، ك، ط) الكلمة جاءت مرتين، في آية البقرة 54:
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
وجاء «البارئ» اسما من أسماء الله تعالى الحسنى في آية الحشر 24:
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ، لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.
كما جاء منه الفعل المضارع في آية الحديد 22:
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
ومن غير المهموز، جاءت الْبَرِيَّةِ مرتين في آيتي البينة:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ.
وفى غير معنى الخلق جاءت المادة في البراءة والتبرؤ والتبرئة ومادة (برأ) في مقاييس اللغة أصلان إليهما ترجع فروع الباب: أحدهما الخلق يقال برأ الله الخلق، والبارئ جل ثناؤه. والآخر التباعد من الشيء ومزايلته (المقاييس 1/ 236) .
وتفسير البارئ في المسألة، بالخالق يبدو قريبا. وقاله الطبري في تأويله: أي إلى خالقكم. وهو من برأ الله الخلق يبرؤه فهو بارئ، والبرية الخلق فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تهمز .. » لولا أن آية الحشر جمعت بين «الخالق البارئ المصور» ثم إن فعل الخلق يجيء في القرآن مسندا إلى الله تعالى في أكثر من مائة وستين موضعا، ومعها «خلق الله» «وخلق الرحمن» ، سبحانه «خالق كل شئ» «هل من خالق غير الله» إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ فهل من فرق دلالة بين الخالق البارئ؟
ذكر «الراغب» أن «البارئ» خصّ بوصفه تعالى.
والزمخشري فسر «الخالق البارئ» في آية الحشر فقال: الخالق، المقدر لما يوجده، البارئ: المميّز بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة.
ومثله في (البحر المحيط) لأبي حيان.
وذهب «ابن الأثير» إلى وجه آخر في الفرق بين الخالق والبارئ، قال: في أسماء الله تعالى البارئ. وهو الذي خلق الخلق لا عن مثال. ولهذه اللفظة من الاختصاص بخلق الحيوان، ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السماوات والأرض (النهاية) .
وهذا الوجه الدقيق من التمييز بين الخالق والبارئ هو ما يؤنس إليه استقراء ما في القرآن من آياتهما، وتدبر سياقها: فالخلق شامل لكل شيء، سبحانه خلق السموات والأرض وما بينهما. وكلمة «بارئكم» الخطاب فيها لقوم موسى، و «البرية» في آيتيها بسورة البينة، متعلقة بالكفار والمؤمنين: شر البرية وخير البرية.
لكن آية الحديد، يتعلق فيها الفعل «نبرأها» بما أصابكم من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم، أعنى أنها في غير الحيوان. ولعل ابن الأثير نظر إليها فاحترز من التعميم والإطلاق في (برأ) بقوله: وقلما تستعمل في غير الحيوان. والله أعلم.
(1) تبع الحميرى، من ملوك اليمن مستهل عصر المبعث. والبيت من ثلاثة أبيات له مشهورة في دلائل المبعث. خبره بتفصيل في السيرة النبوية، ومعها الأبيات في (الروض الأنف 1/ 35) وفي تفسير أبي حيان لآية الدخان: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ.