{فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) }
وسأل ابن الأزرق عن قوله تعالى: {خَلاقٍ} فقال ابن عباس: نصيب.
وشاهده قول أمية بن أبي الصلت:
يدعون بالويل [فيها] لا خلاق لهم «1» ... إلا سرابيل من قطر وأغلال
(تق، ك، ط) - الكلمة من آيات: البقرة 102 في السّحر: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.
والبقرة 200: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.
آل عمران 77: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ...
ومعها آية التوبة 69:
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا، أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
ولم تأت الكلمة بهذه الصيغة، إلا في هذه الآيات الأربع.
وجاء «خلق» مرتين في آيتي: الشعراء 137 خُلُقُ الْأَوَّلِينَ والقلم 4:
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ واخْتِلاقٌ في آية ص 7: ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ.
وجاء في الخلق نحو مائتين وخمسين مرة، بصيغ: المصدر، والفعل ثلاثيّا ماضيا ومضارعا، واسم فاعله.
وخلّاق (مرتين) ومخلّقة (مرتين) الخلق في معجم العربية: التقدير. فإذا أسند إلى الخالق، فهو إبداع الشيء على غير مثال سبق. وخلق الكلام: صنعه: واختلقه: افتراه. والخلاق النصيب الوافر من الخير (ق) والخلق: السجية والطبع.
وقال «الراغب» : الخلق التقدير المستقيم، واستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء. وليس الخلق الذي هو الإبداع، إلا الله تعالى. ولا يستعمل في كافة الناس إلا على وجهين: أحدهما في معنى التقدير ... والثاني الكذب:
«وتخلقون إفكا» وكل موضع استعمل الخلق فيه في وصف الكلام، فالمراد به الكذب، ومن هذا الوجه منع كثير من الناس إطلاق لفظ الخلق على القرآن ...
والخلق يقال في معنى المخلوق، والخلق والخلق في الأصل واحد، لكن خص الخلق بالهيئات والأشكال والصور، المدركات بالبصر. واختص الخلق بالقوى المدركة بالبصيرة قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وقرئ: إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ «2» .
والخلاق: ما اكتسب الإنسان من الفضيلة بخلقه: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ... (المفردات) ومن الخلق في التقدير والإبداع، جاء الخلق كأنه خلقة في صاحبه وسجية. فإذا اخترع الكلام كذبا فذلك الاختلاق.
وتفسير «خلاق» بنصيب، هو معناه في آية البقرة عند الفراء (1/ 122) وأبي عبيدة في آية آل عمران (المجاز 1/ 97) لكنه قيده في آية البقرة بنصيب من خير (1/ 48) ونحوه في (ق) وقيده الراغب بما اكتسب الإنسان من فضيلة. ونقل الطبري من اختلاف أهل التأويل فيه: أنه النصيب، عن مجاهد والسدى وسفيان. والحجّة، عن قتادة، والدين، عن الحسن. وأخرج من طريق ابن جريح عن ابن عباس، قال: ما له من قوام.
وأولى هذه الأقوال عنده، أنه النصيب، وذلك أنه معناه في كلام العرب. قال:
ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم: «ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم» يعني لا نصيب لهم ولا حظ في الإسلام والدين. وأنشد شاهد المسألة.
وسياق الكلمة في آياتها الثلاث، صريح في أنه النصيب من الجزاء الأخروي على كسب الأعمال. وقد جاءت كلمة «نصيب» المفسّر بها خلاق، في نظير ذلك:
غافر 47: فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ والشورى 20: وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ.
لكنها جاءت كذلك في واحد الأنصبة بأحكام المواريث (النساء 7) ونصيب من الحرث والأنعام (الأنعام 136) ومن الملك (النساء 53) ومن الدنيا (القصص 77) وفي (الفروق اللغوية) أن الخلاق: النصيب الوافر من الخير خاصة، بالتقدير لصاحبه أن يكون نصيبا له.
قد يهدى هذا الاستقراء إلى أن الخلاق إذا فسّر بالنصيب بمعنى القدر، فملحوظ فيه خصوص دلالته على جزاء ما يكسب الإنسان بخلقه ومسعاه. ويكون النصيب بدلالة أعم، فيأتي بمعنى القدر من كسب الخلق والعمل، ويأتي كذلك بمعنى القدر المفروض، والحظ المقسوم. والله أعلم.
(1) سقطت [فيها] من الثلاثة، وعلى هامش (ك) تجاه موضع السقط: لعله: يوم.
والشاهد في ديوان أمية، ومن شواهد الطبري وأبي حيان
(2) هي قراءة الجمهور. وفيه قراءة بالفتح والسكون: «إن هذا إلا خلق الأولين» وفسّر بالاختلاق.