فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 546

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) }

وسأله عن معنى قوله تعالى: أَثاثًا وَرِءْيًا» «1» .

قال: الأثاث المتاع، والرئى الشراب.

واستشهد بقول الشاعر:

كأن على الحمول غداة ولّوا ... من الرئى الكريم من الأثاث

(تق، ك، ط) وفيهما: الرى - الكلمة من آية مريم 74:

وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا ومعها أثاث في آية النحل 80:

وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ.

وأما رئى، فوحيدة الصيغة في القرآن، على كثرة ما جاء فيه من المادة في الرؤية والرأى والرؤيا، ورئاء والمراءاة والترائى ...

وتفسير الأثاث في المسألة بالمتاع، أخرجه البخاري في كتاب التفسير عن ابن عباس وأسنده الطبري عنه. وقال الفراء في معنى الآية: الأثاث المتاع، لا واحد لهما، وقد يجمعان. وخص الأزهري الأثاث بمتاع البيت. وخصه الهروي في (الغريبين) بما يلبس ويفترش.

ويظهر من استقراء الآيات في الكلمتين أن الأثاث يستعمل، أكثر ما يستعمل، في متاع البيت بخاصة، ومع ملحظ الوفرة والكثرة. وقلما استعمل في المعنوى.

وأما المتاع، فعامّ فيما هو من متاع الدنيا، غير مقصور على الأثاث. وتتصرف العربية في المتاع، على سبيل المجاز بمثل قولهم: متع النهار متوعا، إذا ارتفع غاية الارتفاع ما قبل الزوال؛ وشيء ماتع: بالغ في الجودة، ورجل ماتع: كامل في خصال الخير (س) ويقوى هذا الملحظ في الفرق بين خصوص الأثاث وعموم المتاع، بعطف أحدهما على الآخر في آية النحل. مع تدبر آيات في المتاع، لا يقبل سياقها أن تحمل الكلمة على معنى الأثاث.

الحجر 88: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ معها:

آية طه 131 البقرة 36: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ معها:

الأعراف 24 المائدة 96: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ الرعد 17: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ يس 44: إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ البقرة 241: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ معها: البقرة 236 والنساء 24 والأحزاب 49 و 28 محمد 12: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ آل عمران 14: ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ آل عمران 185: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ معها: الحديد 35 الأنبياء 111: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ واضح أن المتاع فيها، عام لمتاع الحياة الدنيا، وليس كذلك «الأثاث» بخصوص دلالته في آيتيه من الكتاب المحكم.

وتفسير «رئى» بأنه: من الشراب، كأنه أخذ من الرّيّ، وليست قراءة الأئمة السبعة. وفيها قال الطبري: وقرأ الجمهور «ورئيا» بالهمزة، من رؤية العين، فعل بمعنى مفعول كالطحن والسقى. ثم أسند عن ابن عباس قال: الرئى المنظر. وفي رواية عنه: المنظر الحسن. والمهموز من مادة رأى، لا تنفك عنه دلالة الرؤية بالحاسة، أو الرأى لما يرى بالفكر والعقل، والرؤيا لما يرى في المنام. فكذلك الرئى، فيه ما يرى شهودا، أو بالوهم والتخييل كقولهم للتابع من الجن: رئى.

ولا يبدو لي وجه تقريب لتفسير الرئى، من الشراب. في «هم أحسن أثاثا ورئيا» بل تظل له دلالة الرؤية الملحوظة في سائر استعمال العربية للمادة؛ فيقرب أن يكون: مشهدا، ومنظرا يرى بالعين أو يتخيل على الوهم والظن والفتنة.

كما لا يبدو تخريج الشاهد الشعرى على معنى:* من الشراب الكريم من الأثاث* قريبا. وأقرب منه أن نفهمه بمعنى المشهد المرئى والمنظر.

(1) قرأ قالون المدنى وابن ذكوان الدمشقى: «أثاثا وريّا» بتشديد الياء من غير همز، والباقون بالهمز.

(التيسير 149)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت