وسأله عن معنى قوله تعالى: {لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} .
قال: الوجيع، واستشهد بقول الشاعر:
نام من كان خليّا من ألم ... وبقيت الليل طولا لم أنم
(تق، ك، ط) وفي (ظ، وق) المسألة عن قوله عز وجل: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ ما الألم؟ قال: الوجع.
واستشهد في (ظ) بقول الحارث بن حلزة اليشكرى:
ألموا القتل حين دارت رحاهم ... ورحانا على عنان الدماء
وشاهده في (وق) قول الأعشى:
لا نقيهم حدّ السلاح ولا نأ ... لم جرحا، ولا نبالى السهاما
-الكلمة في الرواية الأولى من آيات:
التوبة 61: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وإبراهيم 22، والنور 16، والعنكبوت 223 والشورى 21، 42 ومعها: لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
فى آيات: البقرة 10، 104، 174، 178، وآل عمران 77، 177، 188، والمائدة 36، والتوبة 79، والنحل 63، 104، 117، والحشر 15، والتغابن 5 ... في ثمان وستين آية، وصف فيها عذاب والعذاب، بعذاب أليم، من عذاب أليم، عذابا أليما، العذاب الأليم.
وأما الرواية في (ظ، وق) : إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ.
فمن آية النساء 104:
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
لم يأت في غيرها، أيّ فعل من الألم.
وأقوال اللغويين والمفسرين، تأتي في آية البقرة 10:
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ.
إذ هي المرة الأولى التي جاء فيها «عذاب أليم» في ترتيب المصحف.
تأويل الألم في المسألة بالوجع، وأليم بوجيع، يبدو قريبا ظاهر القرب.
والجمهرة من المفسرين تأولوه بالوجع، وقال الراغب: الوجع الشديد. وهو معروف من كلام العرب، والشواهد فيه كثر، وإن لم يكن الوجع من ألفاظ القرآن.
وفى (مجاز القرآن: آية البقرة 10) ، قال أبو عبيدة: «عذاب أليم» أي موجع، من: الألم. وهو في موضع مفعل - أي مؤلم - قال ذو الرمة:
ونرفع في صدور شمردلات ... يصكّ وجوهها وهج أليم
الشمردلة: الطويلة.
والبيت من شواهد الطبري والقرطبي، لأليم بمعنى وجيع.
* لكن «ابن عرفة» أنكره فيما حكى عنه الهروي، قال في (الغريبين، باب الهمزة مع اللام) : قوله تعالى: عَذابٌ أَلِيمٌ قال أبو عبيدة: أي مؤلم. يقال: ألمنى الشيء وألمت الشيء، قال تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ.
وقال ابن عرفة: أليم ذو ألم، وسميع ذو سماع، ولا أدرى معنى ما قال أبو عبيدة.
«ابن عرفة» إبراهيم بن محمد بن عرفة العتكى الأزدى، نفطويه، واسطى سكن بغداد وتوفى بها سنة 323 هـ: نحوي راوية ثبت، محدث صدوق ثقة، وفقيه ظاهرى حجة. له كتاب في (غريب القرآن) ذكره ابن النديم وياقوت والقفطى.
ولعله إنما أنكر قول أبي عبيدة من جهة الاشتقاق، وكان ينكره ويحيله وله فيه كتاب، كما قال القفطى في (الإنباه) .
ويظهر لي أن الوجع أقرب إلى ما يعترى الجسم من مرض أو أذى بدنى عارض. وفي (ق) : الألم الوجع، والألم من العذاب الذي يبلغ غاية البلوغ.
وغلبة مجيء أليم صفة لعذاب الآخرة. عذاب يوم أليم، وأخذ الله تعالى الكفار والفاسقين إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ يؤذن - والله أعلم - بأن الأليم أخص وأفدح من وجع يعرض لعامة البشر. وتفسير «ألم» في شاهد المسألة الأول، يقوى بدلالة عذاب من وجد وسهد وأرق، مما لو كان مجرد وجع لعارض من مرض أو جرح كما في الشاهد من قول الأعشى: ولا نألم جرحا*.