{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) }
قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} ما السرى؟ قال: هو النهر الصغير. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت بقول لبيد بن ربيعة؟ وهو يقول:
فتوسّطا عرض السريّ وصدّعا ... مسجورة متجاورا أقلامها «1»
(ظ) في الروايتين. وزاد في الأولى بالإسناد عن ابن عباس، قال: أما سمعت قول القائل:
سلم ترى الدالى منه أزورا ... إذا يعجّ في السريّ هرهرا «2»
وفى (تق) : السرى النهر الصغير. زاد فى (ك، ط) : وهو الجدول أيضا وشاهده فيها:
سهل الخليفة «3» ماجد ذو نائل ... مثل السريّ تمده الأنهار
وأورده ابن الأنباري في غير المسائل فأسند عن الحسن - البصرى، أبي سعيد - أنه تلا الآية وقال: كان والله سريا. يعني عيسى عليه السلام فقال له خالد بن صفوان:
يا أبا سعيد، إن العرب تسمى الجدول سريا. قال: صدقت (وق: فقرة 114) .
-الكلمة من آية مريم 24:
{فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} «4» وحيدة الصيغة في القرآن.
ومعها من مادتها جاء فعل السّرى مضارعا في آية الفجر وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ وفعل الإسراء ماضيا في آية الإسراء: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ وجاء فعل الأمر منه خمس مرات، كلها من الأمر الإلهى للنبيّ لوط في آيتي هود 81 والحجر 65، وموسى في آيات طه 77 والشعراء 53 والدخان 23: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ:
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ.
تفسير السرى بالنهر الصغير، والجدول هو المعروف من كلام العرب (معاني القرآن للفراء، في الآية، والوقف والابتداء: 114، وشرح التبريزى للشاهد من معلقة لبيد، ومعاجم اللغة) لكنه في آية مريم عليها السلام، أحد الأقوال في تأويلها. ومعه مما روى الطبري من اختلاف أهل التأويل: أنه نهر عيسى، عن ابن عباس. وعنه أيضا: الذي كان تحت مريم حين ولدته - عليهما السّلام. وهو نهر بالسريانية عن مجاهد والضحاك، والجدول الصغير بالقبطية عن سعيد بن جبير.
وقيل: هو عيسى نفسه، عن الحسن وغيره. قالوا: لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، لا: من تحتها. والقولان في (مفردات الراغب، وجامع القرطبي والبحر لأبي حيان) ولعلهما من اختلاف القراء الأئمة في قراءة الآية.
والشواهد من الشعر، صريحة في معنى النهر أو الجدول. وكون النهر من تحتها، فيه ملحظ الخفاء في استعمال القرآن، والعربية، للسّرى والإسراء. قد يؤنس إلى دلالة السرى، بمعنى النهر الصغير والجدول، أن دلّت عليه مريم عليها السلام، من حيث لم تتوقع، مع سياق الآيات في الأكل من رطب النخلة، والشرب. قال تعالى: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا* فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا* فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا* وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا.
ولعل ملحظ الخفاء، هو الفرق الدقيق بين سرى، لم تأت غير مرة واحدة، والنهر والأنهار، وقد جاءا في القرآن الكريم خمسين مرة. والله أعلم ...
(1) من معلقته، وضمير المثنى للحمار والأتان.
ورواية الديوان:* متجاورا قلّامها* ومثلها في شواهد الطبري والكشاف والقرطبي والبحر، في تفسير الآية.
والقلام نبت، قيل هو القصب. (شرح التبريزى) .
(2) في شواهد القرطبي:
إذا يعبّ في السريّ هرهرا
(3) وقع في مطبوعة (تق) : [سهل الخليفة]
(4) (من تحتها) قراءة نافع وحمزة والكسائى، وحفص عن عاصم. وقرأ الباقون: (من تحتها) (التيسير للدانى: 148) .