«لا أقسم»
ومن الظواهر الأسلوبية اللافتة في البيان القرآني، مجيء فعل القسم بعد «لا النافية» في مثل قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ* وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ* أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ* بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ.
والخلاف قديم في تأويل «لا» وتوجيه القسم بعدها.
قال «الفراء» يرد على قول كثير من النحويين بأنها صلة: «ولا يبتدأ بجحد ثم يجعل صلة على نية الطرح فلا يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه. ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، ومثل لذلك بقولك:
لا والله لا أفعل ذاك؛ جعلوا لا وإن رأيتها مبتدأة، ردا لكلام قد كان مضى، ولو ألقيت «لا» مما ينوى به الجواب، لم يكن بين اليمين التي تكون جوابا والتي تستأنف فرق .. » «1» .
فى القرن الثامن، جاء بها «ابن هشام» في باب «لا، الزائدة في الكلام لمجرد تقويته وتأكيده» ولخص أقوالهم فيها:
قيل هي نافية. ثم اختلفوا في تأويل المنفي بها:
منهم من قال إنها تنفى شيئا تقدم في سورة أخرى؛ ففي آية القيامة أنكر المشركون البعث، فقيل لهم: لا، ليس الأمر كذلك. ثم استؤنف القسم:
أقسم.
ووجه هذا التأويل عندهم، أن القرآن كله كالسورة الواحدة، ولهذا يذكر الشيء في سورة، وجوابه في سورة أخرى، ونظّروا لذلك بقوله تعالى:
(1) الفراء: (معاني القرآن) سورة القيامة 3/ 207.