{وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) }
وسأل نافع عن قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ} .
فقال: السحاب يعصر بعضها بعضا فيخرج الماء من بين السحابتين.
واستشهد بقول نابغة بني ذبيان:
تجرّ بها الأرواح من بين شمأل ... وبين صباه المعصرات الدوامس «1»
(ص، ط، تق) - الكلمة من آية النبأ 14:
وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً* لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً* وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً.
وحيدة الصيغة في القرآن. وجاء من مادتها:
العصر، بمعنى الزمن، في آية العصر.
والعصر بمعناه اللغوى في عصر الخمر، بآية يوسف 36:
إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ومعها آية يوسف 49:
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.
والإعصار في آية البقرة 266: فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ.
تفسير المعصرات بالسحاب يعصر بعضها بعضا فيخرج الماء من بين السحابتين، هو من قبيل الشرح، ولا نرى ضرورة لقيد المعصرات بسحابتين بل تكفى دلالتها على ما تعتصر من مطر وما تجود به من عصارة السحب تخرج حبّا ونباتا وجنات ألفافا. و «الراغب» لم يحدد سحابتين، بل فسر المعصرات بالسحائب التي تعتصر بالمطر أي تغص، وقيل: التي تأتي بالإعصار (المفردات) .
والعصر في كل صيغه واستعماله، يرجع إلى أصل دلالته على الضغط لاستخلاص العصارة. استعملته العربية حسيّا في عصر العنب ونحوه. ومنه «أعصر خمرا» على المجاز، والمعصرة: آلة العصر، والمعصرة: مكانه.
والعواصر: ثلاثة أحجار كانوا يعصرون بها العنب. وسميت السحب الممطرة معصرات، لما تعتصر من المطر. وأعصر القوم: أمطروا. كما أطلق الإعصار على الريح الشديدة تسوق السحب.
وتسمية الدهر عصرا، ملحوظ فيه أنه يستخلص عصارة الإنسان بالضغط والابتلاء والمعاناة. وأخذه «الراغب» من نفاية ما يعصر. وليس الوجه. وما نقله في المعصرات من قول بأنها تأتي بالإعصار، لا يؤنس إليه سياق الآية في المنّ بإخراج الحب والنبات وجنات ألفافا بالمعصرات، مع الاستعمال القرآني لإعصار فيه نار أصاب جنة من نخيل وأعناب فاحترقت. كما لا يعين عليه مألوف استعمال العربية للإعصار: الريح العاتية، وللمعصرات: السحب الممطرة.
(1) لم أجد الشاهد في ديوان النابغة الذبياني - ط بيروت. وليس فيه قصيدة على هذا الروى. ووقع في طبعة (تق) : وبين صباها المعصرات الدوامى.