{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) }
وسأله عن معنى قوله تعالى: {مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} .
قال: الحمأ السواد.
واستشهد بقول حمزة بن عبد المطلب:
أغرّ كأن البدر سنة وجهه ... جلا الغيم عنه ضوءه فتبددا
(تق) وزاد في (ك ط) : وهو الشاط أيضا «1» - الكلمتان من ثلاث آيات من سورة الحجر:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. 26.
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. 28.
قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ* قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. 33.
ومعها من مادة حمأ، آية الكهف 86:
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ.
وأما مسنون فجاء من مادتها كثير: سنة الله، وسنتنا، وسنة الأولين، وسنن جمعا.
وجاءت السّن في أحكام القصاص: وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ.
اختلف أهل اللغة في حمأ وفي مسنون.
عدّ بعضهم الحمأ من الأضداد: تقول منه حمأت الركية حمأ إذا أخرجت منها الحمأة، وأحمأتها إحماء إذا جعلت فيها الحمأة. حكاه ابن الأنباري عن قطرب، وقال: وليس هذا عندى من الأضداد، لأن لفظ حمأت، يخالف أحمأت، فكل واحدة منهما لا تقع إلا على معنى واحد، وما كان على هذا السبيل لا يدخل في الأضداد (الأضداد 304/ 396) .
وقال ابن السكيت في الأضداد: والحمأ الطين الأسود، وكذلك الحمأة. تقول منه حمئت البئر إذا نزعت حمأتها، وأحمأتها ألقيت فيها الحمأة. وحكاه القرطبي في تفسير آية الحجر 26.
وفى (مسنون) بالآية، قال أبو عبيدة في المجاز: المسنون المصبوب، وهو من قول العرب: سنت الماء وغيره على الوجه إذا صببته. وحسّنه النحاس فيما حكاه القرطبي عنه.
وقال سيبويه: المسنون المصوّر. أخذ من سنة الوجه وهو صورته. وقال الأخفش في المعاني: المسنون المنصوب القائم، من قولهم: وجه مسنون إذا كان فيه طول. وقال الفراء في معنى الآية: وهو المتغير، وأصله من قولهم: سننت الحجر على الحجر إذا حككته. وما يخرج من الحجرين يقال له السنانة والسنين.
ومنه المسنّ.
والمعاجم تجمع بين هذه الأقوال، مع شواهدهم لها: (ص، ل، ق، س) .
واختلف أهل التأويل كذلك في معناهما في الآية: نقل فيه الطبري قول بعض أهل العلم بلغات العرب من البصريين، ومن الكوفيين، كالذي نقلنا عن سيبويه والفراء - ولم يسمهما - وأسند عن ابن عباس، قال: الحمأ المنتن، وعنه: هو الطين الرطب، وعن مجاهد وقتادة بلفظ: الحمأ المسنون الذي قد تغير وأنتن. وعن ابن عباس أيضا، قال:
خلق الإنسان - آدم - من ثلاثة: من طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون. فالطين اللازب اللازق الجيد، والصلصال المرقق الذي يصنع منه الفخار، والمسنون الطين فيه الحمأة.
قال الطبري: والذي هو أولى بتأويل الآية: أن يكون الصلصال في هذا الموضع الذي له صوت من الصلصلة وذلك أن الله تعالى شبهه بالفخار مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ليبسه. وأما قوله مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فإن الحمأ جمع حمأة، وهو الطين المتغير إلى السواد.
وذكر الراغب في الباب: السّن واحد الأسنان، وسنّ الحديد بالمسنّ، وسنان الرمح، وسنن الطريق، وسنة الوجه، وسنة النبى صلى الله عليه وسلم طريقته، وسنة الله تعالى قد يقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته. وقوله تعالى: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* قيل: متغير. (المفردات) .
ولا يخرج عن هذا ما أورده الزمخشري من معاني سن، الأصلية والمجازية (س) وبمزيد تفصيل في جامع القرطبي. والله أعلم.
وأما الشاهد من بيت حمزة رضي الله عنه في النبى صلى الله عليه وسلم، فما أدرى وجه الاستشهاد به لتأويل حمأ مسنون في المسألة، بالسواد المصور، أو الشاط كما زاد في (ك، ط) وهو في اللغة الزيت المحروق.
(1) من: قول حمزة، إلى: «الشاعر» في المسألة 39، سقط من (ط) فاختل السياق. والنقل من (تق، ك) وقابل الشاهد على رواية (الأغانى 11/ 325) .