فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 546

{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) }

وسأله نافع عن معنى قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} قال: باعوا نصيبهم من الآخرة بطمع يسير من الدنيا ..

أما سمعت قول الشاعر: «1»

يعطى بها ثمنا فيمنعها ... ويقول صاحبها ألا تشرى

(تق) والمسألة في (ك، ط) : «بئسما اشتروا به أنفسهم» وليس الشاهد لها.

-الكلمة من آية البقرة 102 في السّحر:

وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ* وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.

وأما الكلمة في (ك) فمن آية البقرة 90 في بني إسرائيل:

وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ* بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ، وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ.

الكلمتان: شروا، واشتروا في الآيتين، ونظائرهما، بمعنى باعوا عند أهل التأويل. وشرى واشترى عند علماء اللغة في الأضداد: بمعنى باع وبمعنى اشترى:

أوردهما الأصمعي في: (باع) للمشترى والبائع، وفي (شراه) : ملكه بالبيع، وأيضا باعه (الأضداد) وفي (باع) قال أبو حاتم السجستاني في الأضداد: يقال بعت الشيء وأخذت ثمنه، وبعض العرب يقول: بعت الشيء أي اشتريته ...

وقالوا اشتريت الشيء وأعطيت ثمنه، وقد يقال اشتريت الشيء إذا بعته. وبعته أوضح في الوجهين، وفي القرآن «الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة» أي يبيعون.

و «من يشرى نفسه» يبيعها. ومن شواهده لشرى بمعنى البيع بيت «المسيب ابن علس» وبمعنى الشراء قول «طرفة» - في معلقته:

ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتا ولم تضرب له وقت موعد

وأورده ابن الأنباري كذلك في: اشتريت، وفي بعت، وأنشد فيه بيت المسيب (الأضداد) وابن السكيت في شرى، وباع، من كتابه (الأضداد.)

وقال ابن قتيبة في باب المقلوب من (مشكل إعراب القرآن) : يقال للمشترى شار، وللبائع شار، لأن كل واحد منهما اشترى، فكذلك قولهم لكل واحد منهما: بائع، لأنه باع وأخذ عوضا مما دفع فهو شار وبائع. وقال الله عز وجل:

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة، آية البقرة 102 أي باعوا به أنفسهم. وقال ابن مفرغ الحميرى:

وشريت بردا ليتنى ... من بعد برد كنت هامه

أى بعته. وبرد غلام له كان باعه.

وفى آية البقرة 90: في معاني القرآن للفراء: معناه والله أعلم، بئس ما باعوا به أنفسهم .. وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما أن شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا. وربما جعلوهما باعوا، وكذلك البيع يقال: بعت الثوب على معنى أخرجته من يدى. وبعته اشتريته، وهذه اللغة في تميم وربيعة، سمعت أبا ثروان - العكلى - يقول لرجل: بع لي تمرا بدرهم، يريد: اشتر لي. وأنشدنى بعض ربيعة - لطرفة، من معلقته:

ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتا، ولم تضرب له وقت موعد

على معنى: لم تشتر له بتاتا. قال الفراء: والبتات الزاد».

وكون ذلك من اختلاف اللغات، أقرب من القول بالضدية. على أن «ابن فارس» في (المقاييس) ردّ (شرى) في الشراء والبيع، إلى أصل «المماثلة:

أخذا وإعطاء: شريت الشيء واشتريته، إذا أخذته من صاحبه بثمنه. وربما قالوا: شريت، إذا بعت، قال تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ.

والمماثلة ليست متعينة فيما يؤخذ ويعطى، بيعا وشراء، إلا أن يعني بها المبادلة، فيقرب. وذهب الزمخشري إلى أن: من المجاز (اشتروا الضلالة بالهدى) :

استبدلوه (يشرون الحياة الدنيا بالآخرة) - الأساس.

والقاعدة في الاستبدال، أن الباء تدخل على المتروك: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؟.

ولم يطرد دخولها على المبيع المتروك، في: شرى، واشترى، كما يتضح بعد، بالاستقراء.

ولم يفرق «ابن الأثير» بين شرى، واشترى، وباع، قال في حديث الزبير لابنه عبد الله، رضي الله عنهما «والله لا أشرى عملى بشيء من الدنيا» : لا أشرى أي لا أبيع. يقال: شرى، بمعنى باع، واشترى (النهاية) .

والوجه عند «الراغب» أن: الشراء والبيع يتلازمان، فالمشترى دافع الثمن وآخذ المثمّن، والبائع دافع المثمّن وآخذ الثمن، هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة بيع سلعة بسلعة فصح أن يتصوّر كل واحد منهما مشتريا وبائعا. ومن هذا الوجه صار لفظ البيع والشراء يستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر. وشربت بمعنى بعت أكثر، وابتعت بمعنى اشتريت أكثر. قال الله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي باعوه، وكذلك قوله: يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ. ويجوز الشراء والاشتراء في كل ما يحصل به شيء - وليس سلعة - نحو إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ فقد ذكر ما اشترى به وهو قوله: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ الآية ... ويسمى الخوارج بالشراة متأولين فيه بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فمعنى يشرى، يبيع. (المفردات: شرى) ...

ما أضيفه إلى المسألة، مما هدى إليه الاستقراء، هو أن (شرى) الثلاثي لم تأت في القرآن - ولا في شواهدهم - إلا بمعنى باع، ودخلت الباء على المشترى المطلوب، لا على المبيع المتروك. يطرد ذلك في آياتها الأربع:

البقرة 102: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ البقرة 207: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ النساء 74: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ يوسف 20: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وأما اشترى، فجاءت احدى وعشرين مرة، فعلا ماضيا ومضارعا، للواحد وللجماعة. يفيد سياقها في تسعة عشر موضعا أنها بمعنى الشراء، والباء فيها دخلت على المبيع المتروك، مثل:

البقرة 16: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى البقرة 86: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ البقرة 175: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ التوبة 9: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ونظائرها.

وفى آيتين، دخلت الباء على الثمن المبذول المأخوذ، لا على المبيع المتروك المنبوذ، فأفادت اشترى معنى باع: البقرة 90 في الكافرين من أهل الكتاب جاءهم كتاب القرآن من عند الله مصدق لما معهم فكفروا به: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ* بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ .. أي: باعوا أنفسهم.

والتوبة 111 إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وهم هنا بائعون، باعوا أنفسهم لله تعالى، بصريح نص الآية:

فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

صدق الله العظيم ...

(1) المسيب بن على.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت