فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 546

وعرف لطف موضع الحذف والتنكير في قوله

نظر وتسليم على الطرق

وما في قول البحترى

لى عليك دموع من شبه السحر، ...

وعرف كذلك شرف قوله

نجوم لو طلعن بأسعد ... وعلو طبقته ودقة صنعته ...

«والبلاء والداء العياء، أن هذا الإحساس قليل في الناس، حتى إنه ليكون أن يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه، في شعر يقوله أو رسالة يكتبها، الموقع الحسن ثم لا يعلم أنه قد أحسن.

«فأما الجهل بمكان الإساءة، فلا تعدمه بمن له طبع إذا قدحته ورى، وقلب إذا أريته رأى. فأما وصاحبك من لا يرى ما تريه ولا يهتدى للذى تهديه، فأنت رام معه في غير مرمى، ومعنّ نفسك في غير جدوى. وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له، كذلك لا تفهم هذا الشأن من لم يؤت الآلة التي بها يفهم. إلا أنه إنما يكون البلاء إذا ظن العادم لها أنه أوتيها، وأنه ممن يكمل للحكم ويصح منه القضاء، فجعل يقول القول لو علم غيّه لاستحيا منه. فأما الذي يحس بالنقص من نفسه ويعلم أنه قد علم علما قد أوتيه من سواه فأنت معه في راحة، وهو رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره، وأن يتكلف ما ليس بأهل له» .

ويستطرد الجرجاني في بيان عقم (الدلائل) مع خصم معاند لا يملك من الذوق والروحانية والأريحية ما يدرك به فروق البلاغة في النظم، فيذكر أن العلوم التي لها أصول

معروفة وقوانين مضبوطة، قد يخطئ فيها المخطئ ثم يعجب برأيه فلا تستطيع رده عن هواه وصرفه عن الرأى الذي رآه إلا بعد الجهد والمشقة، إذا كان حصيفا عاقلا. وهذا الصنف من الناس العقلاء يعز ويقل.

«فكيف بأن ترد الناس عن رأيهم في هذا الشأن - مزايا النظم يتفاضل بها الكلام - وأصلك الذي تردهم إليه وتعول في محاجتهم عليه، استشهاد القرائح وسبر النفوس وفليها، وما يعرض فيها من الأريحية عند ما تسمع؟

«وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى الرأى ويفتى ويقضى، إلا وعندهم أنهم ممن صفت قريحته وصح ذوقه وتمت أداته. فإذا قلت لهم: إنكم قد أوتيتم من أنفسكم. ردوا عليك مثله وقالوا: لا، بل قرائحنا أصح ونظرنا أصدق وحسّنا أذكى، وإنما الآفة فيكم لأنكم خيّلتم إلى أنفسكم أمورا لا حاصل لها، وأوهمكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت