فكان أن جمّدوا روح البلاغة في قوالب الصنعة وأغلال المنطق، وشغلتهم الحدود والتعريفات والإجراءات، عن لمح سر البيان وذوق الأسلوب وروح النص.
... وتورات قضية الإعجاز في الميدان البلاغي، في فيض الشروح والمختصرات والحواشى على متن (مفتاح السكاكى) الذي سيطر على الدراسة البلاغية.
فانحصرت قضية الإعجاز في كتب علوم القرآن الجامعة، كالبرهان للزركشى والإتقان للسيوطي. وفي كتب المفسرين، يتناولونها في تأويل آيات التحدي والمعاجزة. على نحو ما فعل «الشيخ محمد عبده» في تفسير آيتي البقرة:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ، أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ حيث كتب فصلا «في تحقيق وجوه الإعجاز» «1» لخص به مختلف الأقوال فيه.
ويعنينا هنا ما يتصل بالبيان، أو ما سماه الإعجاز بأسلوبه ونظمه.
ووجه هذا الإعجاز عنده، هو اشتمال القرآن على النظم الغريب والوزن العجيب والأسلوب المخالف لما استنبطه البلغاء من كلام العرب، في مطالعه وفواصله ومقاطعه، قال:
«ولعمرى إن مسألة النظم والأسلوب لإحدى الكبر، وأعجب العجائب لمن فكر وأبصر. ولم يوفها أحد حقها على كثرة ما أبدءوا وأعادوا فيها. وما هو بنظم واحد ولا بأسلوب واحد، وإنما هو مائة وأكثر: القرآن مائة وأربع عشرة سورة متفاوتة في الطول والقصر، من السبع الطوال إلى الوسطى إلى ما دونها. وكل سورة منها تقرأ بالترتيل المشبه للتلحين المعين على الفهم المفيد للتأثير. على
(1) تفسير الذكر الحكيم: ج 1/ 198.