والشيخ محمد عبده، عبر عن النظم بالأسلوب، وجعل لتأثير التلاوة مكانا في قضية الإعجاز البلاغي، وأدخل الأوربيين ممن تعلموا العربية، في الاحتجاج لإعجاز القرآن، وتعلق «بشهادة أهل العلم والإنصاف منهم، بهذا الإعجاز في النظم والأسلوب، والبلاغة يغوص تأثيرها في أعماق القلوب» .
وفيما عدا ذلك، نراه متأثرا بمذهب عبد القاهر في فهم الإعجاز ونهجه في المناقشة والاحتجاج.
والواقع أنه بقدر ما سيطر «السكاكى» على البلاغيين المدرسيين، سيطر «عبد القاهر» على من تصدى من المحدثين لموضوع الإعجاز البلاغي، فكان الذي أضافوه إلى رصيده أن يتحدث المتحدثون عن إعجاز القرآن فيقولوا: ما أروع وما أعظم، وما أبهى وأبلغ، وما أجل وأسنى، وانظر إلى شرف هذا المعنى وجزالة ذلك اللفظ وفخامة هذه العبارة وروعة ذلك المثل، وتأمل في سحر هذا الإيقاع وأسر ذلك النغم ...
إلى أمثال لهذا العبارات المبذولة والقوالب الصماء التي ملّها سمع الزمان لطول ما ابتذلتها أقلام الكتاب وألسنة المداحين، في تقريظ قصص هزيلة يروّجون لها، وأغان مبتذلة ينتشون بها.
ومن ألف سنة ردّدت أمثال هذه العبارات الرنانة، فلم يجد فيها أبو سليمان الخطابي - ت 388 هـ - ما يقنع أو يشفي، قال في (بيان إعجاز القرآن) «1» يرد على من ذهبوا إلى أن تميز القرآن عن سائر الكلام الموصوف بالبلاغة، أمر لا يمكن تصويره وقد يخفى سببه ويظهر أثره في النفس:
«إن الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حس السامع والهشاشة في نفسه، وما يتحلى به من الرونق والبهجة التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب والتأثير في النفس فتصطلح من أجله الألسن على أنه كلام لا يشبهه كلام، وتحصر الأقوال عن معارضته وتنقطع به الأطماع عنها، أمر لا بدّ له
(1) ص 25 من (ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) ذخائر.