البديع وغيره، إنما هو بيان لطائف الإعجاز وإدراك دقائقه واستنهاض عجائبه.
فكيف ساغ لهم تركها وأعرضوا عن ذكرها، وذكروا في آخر مصنفاتهم ما هو بمعزل عنها؟ ..
«ثم لو عذرنا من كان منهم ليس له حظ في المباحث الكلامية ولا كانت له قدم راسخة في العلوم الإلهية، وهم الأكثر منهم، كالسكاكى وابن الأثير وصاحب التبيان «1» ... فما بال من كان له فيها اليد الطولى كالرازي، فإنه أعرض عن ذلك في كتابه المصنف في علم البيان، فلم يتعرض لهذا المباحث ولا شمّ منها رائحة! ولكنه ذكر في صدر
(كتاب النهاية) كلاما قليلا في وجه الإعجاز، لا ينقع من غلة ولا يشفى من علة ... » «2» .
وقدم ابن حمزة العلوى كتابه المرسوم بالطراز، المتضمن أسرار البلاغة وحقائق الإعجاز، لينقع الغلة ويشفى العلة.
... ولكن القرن التالى، لم يجد في الطراز أكثر مما وجده مصنفه في تراث السلف، وألقى البقاعى - برهان الدين بن عمر، ت 885 هـ - دلوه في النبع السخى، فخرج بكتاب سماه (نظم الدرر) وصفه حاجى خليفة في (كشف الظنون) فقال إنه «كتاب لم يسبقه إليه أحد. جمع فيه من أسرار القرآن ما تتحير فيه العقول، وأتقن فيه المناسبات، وأوضح المعاني المشكلات. وقال في بيان فضله:
هل رأيتم يا أولى التفسير من ... صاغ تفسيرا كنظم الدرر؟
دقّ معنى جلّ سبكا لفظه ... في وجوه الفكر مثل الغرر»
ولم يمهل الزمن البقاعى في انتظار جواب ما سأل عنه، بل تصدى له من معاصريه من خالفوه وجرحوه، حتى كادت تكون فتنة!
(1) كتاب (التبيان في علم البيان) للكمال ابن الزملكانى، عبد الواحد بن عبد الكريم - 615 هـ.
(2) «الطراز في أسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» 3/ 368. ط المقتطف لدار الكتب: 1916 م.