فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 546

من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات، ولا يدرى الواحد منهم كما انصرف، ولا ما قرأ من السور» «1» .

وحين نفهم الآية في سياقها مع الآيات قبلها، ومع الآية التالية لها وقد ارتبطت بها ارتباط الصلة بالموصول: «الذين هم يراءون» ، يعطينا حرف «عن» سره، فنرى النذير بالويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون غافلون عن كونها قياما بين يدى الخالق، يكبح غرور الإنسان وينهاه عن الفحشاء والمنكر، ويأخذه بالخشوع والتواضع أمام جلال خالقه وعظمته وقدرته، ويرهف ضميره فيتقى الله في اليتيم والمسكين مؤديا حقهما في التواصى بالمرحمة.

ليس السهو عن الصلاة إذن سهوا فيها ولا تركا لها أو ترك وقتها، أو العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب، وإنما هو سهو عن حكمتها، ومراءاة بها، قد يؤديها بعضهم في أوقاتها، ويتظاهرون بالخشوع فيها والإخبات رئاء الناس وقصدا إلى منفعة. وصلاة الذي يدعّ اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، لا يمكن أن تصدر عن قلب خاشع وضمير مؤمن، وحين لا تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر، فذلك، والله أعلم، هو السهو عنها، تعود به طقوسا شكلية ونفاقا من المصلين يراءون به الناس.

... ونتدبر معها حرف «ثم» في آية البلد:

فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ* ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ.

وقف مفسرون طويلا عند عطف الإيمان على فك رقبة، بحرف «ثم» الذي يفيد الترتيب مع التراخي فتأولوه بما يخرج به من صريح سياقه وظاهر معناه، ليفيد

(1) الكشاف: 4 - / 236 وانظر معه تفسير الرازي: 8/ 491.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت