فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 546

ذلك شعرا ... وسمعت غلاما لصديق لي، وكان قد سقى بطنه، وهو يقول لغلمان مولاه: اذهبوا إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى.

«وهذا الكلام يخرج وزنه على خروج: فاعلاتن مفاعلن، مرتين. وقد علمت أن هذا الغلام لم يخطر على باله قط أن يقول بيت شعر أبدا. ومثل هذا كثير، ولو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته» «1» .

والجاحظ لا يسوق هذا الكلام، ردّا على وصف قريش للقرآن بالشعر، وإنما يرد على من التقطوا بعض آيات قرآنية زعموا أنها في وزن الشعر.

لكن يوهنه عندى، هذا التنظير بكلام العامة والسوقة، من الحاشية، والغلمان وباعة الباذنجان. فما هانت القضية إلى المدى الذي يساق فيه مثل هذا، في الاحتجاج لنفي الشعر عن البيان الأعلى.

ما زلت أقول: إن مثل هذا في كلام الباقلانى عن الوجوه التي يحتملها «ما حكاه القرآن عن الكفار من قولهم إنه شاعر، وإن هذا شعر» لا موضع له. من حيث أرى أن الكفار

من قريش، ما قصدوا إلى أن فيه بعض فقرات موزونة وزن الشعر، ولا خطر لهم على بال أن يتعلقوا بآيات فيه على وزن بيت أو بيتين من قصيد أو رجز، ولا بلغ بهم عقم الطبع وفساد السليقة، أن ينظّروا له بمثل ما يجري على ألسنة العامة في مبتذل الكلام.

وإنما هو سحر البيان، عرفه للقرآن مشركو قريش من قبل أن يسمع غيرهم من سائر العرب كلمات منه، وكان «الوليد بن المغيرة» يتحدث عن سليقة أصيلة مرهفة حين لفت قومه إلى أنهم ما إن يقولوا إن القرآن شعر حتى ينكر العرب عليهم ذلك، وإنما غاية ما يبلغون من وصفه أن يقولوا ما نصح لهم به: إن محمدا جاء بكلام هو السحر يفرق بين الرجل وأخيه وزوجته وولده.

(1) الجاحظ: البيان والتبيين 1/ 235 ط أولى، الرحمانية سنة 1932 م وقد التفت الزميل السيد أحمد صقر على هامش الاعجاز للباقلانى (ص 81) إلى هذا التشابه بين الجاحظ والباقلانى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت