المكى تحسم بأسلوب رادع، ذلك الجدل العقيم في صفة المعجزة والرسول:
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ* إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ* وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ، قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ 38: 43.
وأما الآيات المدنية من سورة الشعراء المكية:
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ.
فلم تأت في سياق نفى الشعر عن القرآن والاحتجاج للمعجزة كما وهم الباقلانى (ص 76) وإنما نزلت في شعراء الأحزاب من قريش، أخذوا مكانهم في المعركة بين الوثنية والإسلام، يكذبون ويضلون ويستهوون الغاوين. وليس المقصود بالذم فيها مطلق الشعراء بل تمضى الآيات بعدها فتستثنى الشعراء المؤمنين الذين يتقون الله فيما يقولون، وينتصرون للحق دفعا لما سئموا من ظلم المشركين، وقد وعد الله هؤلاء الشعراء المتقين بنصرهم على الظالمين:
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا؛ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ 227 ... والسؤال الذي يعرض هنا هو:
لم جاءت معجزة النبى العربي بهذا البيان الذي تعلق المشركون في وصفه، بالشعر وبالسحر والكهانة، لما رسخ في يقينهم من سلطانه الذي لا عهد لهم بما يشبهه في كلام البشر، إلا أن تكون أخذة السحر وأسر الشعر وسيطرة الكهانة؟
ولم لم يؤيد الله رسوله المصطفى بآية من مثل ما جاء به الرسل الأولون كما اقترح الكفار من قومه وهم يحادونه ويجادلونه؟