فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 546

فكان التحدي يجب أن يقع بذلك المنع لا بالقرآن. حتى لو لم ينزل الله تعالى القرآن ولم يظهر أصلا، وجعل دليل نبوته امتناع الكلام عليهم على الوجه الذي اعتادوه، لكان وجه الإعجاز يختلف. وهذا مما نعلم بطلانه باضطرار، لأنه عليه الصلاة والسلام تحدى بالقرآن وجعله العمدة في هذا الباب. على أن ذلك، لو صح، لم يقدح في صحة نبوته، لأنه كان يكون بمنزلة أن يقول صلى الله عليه وسلم: دلالة نبوتى أنى أريد المشى في جهة فيتأتي لي على العادة، وتريدون المشى فيتعذر عليكم .. فإذا وجد الأمر كذلك دل على نبوته، لكون هذا المنع على هذا الوجه ناقضا للعادة.

وإن أراد الوجه التالى مما قدمناه - أي أن المنع مستمر - فهو الذي يعول عليه. لأنا نعلم أن للقرآن المزية في الفصاحة من حيث يحتاج إلى قدر من العلم لم تجر العادة بمثله أن يفعله تعالى فيهم ...

«فأما ادعاء السائل أنه صلى الله عليه وسلم توافرت دواعيه وأتى بمثل القرآن، وانصرفت دواعيهم عن فعل مثله فلذلك لم يأتوا به، وأن وجه التحدي في ذلك وقوع الصرف فيهم عن مثله، فبعيد. لأنا نعلم باضطرار توافر دواعيم إلى إبطال أمره والقدح في حاله، حتى لم يبق وجه في الدواعى إلا توافر فيهم، فكيف يصح مع ذلك ادعاء ما ذكرت؟

«فإن قلت: إن دواعيهم وإن توافرت فإنه تعالى صرفهم عن ذلك بجنس من الدواعى، فهذا يوجب إثبات ما لا يعقل من الدواعى. وإن قلت: إنه تعالى صرفهم بمنع، فهو الذي بيّنا فساده من قبل. وهذه الجملة تبطل قول من يتعلق في إعجاز القرآن بذكر الصرفة، لأنها إذا كشفت فلا بد من أن يراد بها بعض ما بينا فساده. ولا معتبر بالعبارات في هذا الباب وإنما المعتبر بالمعاني» «1» .

إلى هذا المدى، يمضى عبد الجبار المعتزلى في الرد على من يتعلق في إعجاز القرآن بالصرفة، وبيان وجه فساده إن اعتبر فيها بالألفاظ الموهمة احتمال

(1) المغني: 16/ 217 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت