«وهذا أيضا وجه قريب - من وجوه الإعجاز - إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله سبحانه:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.
فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلّف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد. والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة. فدل على أن المراد غيرها والله أعلم» «1» .
وذهب إلى أن البشر تعذر عليهم الإتيان بمثل القرآن، «لأنه معجزة البلاغة، جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمنا أحسن المعاني» .
... وسلّم «ابن حزم الظاهرى» بأن في كون القرآن كلام الله تعالى، وقد أصاره معجزا ومنع من مماثلته، برهانا كافيا. غير أنه أنكر أن يكون أحد قد قال إن كلام البشر معجز. ونص عبارته في (الفصل) :
«لم يقل أحد إن كلام غير الله تعالى معجز. لكن لما قاله الله تعالى - أي القرآن - وجعله كلاما له، أصاره معجزا ومنع من مماثلته ... وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره.»
وأراد «الفخر الرازي» أن يتحاشى هذا الخلاف، فقال في تفسير آية المعاجزة من سورة الإسراء:
«وللناس في إعجاز القرآن قولان: منهم من قال إنه معجز في نفسه، ومنهم من قال إنه ليس معجزا إلا أنه تعالى لمّا صرف دواعيهم عن الإتيان بمعارضته، مع أن تلك الدواعى كانت قوية، كانت هذه الصرفة معجزة.
«والمختار عندنا في هذا الباب أن نقول:
(1) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: ص 22.