وقد جمعت أمثلة كثيرة-ممن قال فيهم البخاري: فلان فيه نظر، أو: فيه بعض النظر، أو: في حديثه نظر-من كتاب (التاريخ الكبير) للإمام البخاري بالسجن المحلي بتطوان أثناء دراستي لكتب (التاريخ الكبير) ، أودعتها كتابي: (إعادة النظر فيمن قال فيه البخاري: فلان فيه نظر، أو: بعض النظر، أو: في حديثه نظر) [1] . سيطبع مفردًا إن شاء الله.
وقال أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل في كتابه الفذ: (شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل) تحت المرتب السادسة: من مراتب التجريح: (وقول أحدهم:"فلان أضعف عندي من كل ضعيف"والكذابون من الضعفاء، فهذا اللفظ معناه أنه ليس له نظير في الكذب، وهذا اللفظ قاله أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في الشاذكوني وهو متهم بالوضع وشرب الخمر-انظر:"تاريخ بغداد"(9\ 47) -.
وقد قال فيه عباس العنبري-رحمه الله-:"ما مات ابن الشاذكوني حتى انسلخ من العلم انسلاخ الحية من قشرها") [2] .
تنبيه: الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري-رحمه الله تعال-كان لمزيد ورعه وخشيته واستحضار عظمة الله وخوفه من اغتياب الناس قل أن يقول: فلان كذاب، أو: يكذب، أو: فلان وضاع، أو: يضع (الحديث) -
ونحوها من صيغ التجريح الشديدة أكثر ما كان يقول: (سكتوا عنه) [3] ،
(1) -فائدة: قال الحافظ الذهبي في (الميزان) (1\ 441) ، و (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:81\ 82\رقم:82) الفصل الثاني: (الرابع والثلاثون: مدلول قول البخاري في الراوي:"له حديث لا يصح") :(الحارث بن عميرة، والصحيح: يزيد بن عميرة الزبيدي-كذا قال البخاري-له حديث لا يصح.
قلت-القائل: الذهبي-: يزيد صدوق، لكن قال البخاري ذلك باعتبار السند إليه، وإنما قال البخاري: لا يصح، يعني: قول من سماه: الحارث بن عميرة، ذكره البناني).
(2) -انظر: (شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل) (1\ 2777\278) .
(3) -قال الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في: (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:75\رقم:77) تحت: (مدلول قول البخاري في أحد الرواة:"سكتوا عنه": قال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول:"أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا") :
(قلت: يشهد لهذه المقالة كلامه-رحمه الله-في التجريح والتضعيف، فإنه أبلغ منها، يقول في الرجل المتروك أو: الساقط:"فيه نظر"، أو:"سكتوا عنه"، ولا يكاد يقول: فلان كذاب، ولا فلان يضع الحديث، وهذا من شدة ورعه) .
وقال في (الموقظة) (ص:83) ، أو: (ص:126) : (أما البخاري:"سكتوا عنه"، فظاهرها أنهم ما تعرضوا له بجرح ولا تعديل، وعلمنا مقصده بها بالاستقراء: أنها بمعنى تركوه) .
وقال السخاوي في (فتح المغيث) (2\ 122) :"وكثير ما يعبّر البخاري بهاتين الأخيرتين-يعني: فيه نظر، وسكتوا عنه-فيمن تركوا حديثه، بل: قال ابن كثير: إنها أدنى المنازل عنده وأردئِها)."
ومن أقدم مَن وقفت له فسَّر قول البخاري هذا: الإمام الدولابي .. فقال ابن عدي في (الكامل) (1\ 226) :"قال محمد بن إسماعيل: إبراهيم بن يزيد أبو إسماعيل الخوزي، المكي سكتوا عنه. قال ابن حماد-يعني: الدولابي-يعني: سكتوا عنه: تركوه".
ثم اعلم أن الإمام البخاري-رحمه الله تعالى-كان أحيانًا يطلق جملة:"سكتوا عنه"دون أن يقرنها مع غيرها من ألفاظ التجريح، وهذا هو الأكثر في استعماله، وأخرى كان يقرنها مع غيرها بأشد عبارات التجريح، ومن هذه العبارات:
أ-التصريح بالترك:
1 -فقال في (تاريخه الكبير) (1\ 178) : (محمد بن عمر الواقدي، سكتوا عنه، تركه أحمد وابن نمير) .
2 -عبد الله بن واقد، أبو قتادة الحراني، ترجم له الإمام الذهبي في (الميزان) (2\ 517) ، وقال:"قال البخاري: سكتوا عنه، وقال أيضًا: تركوه".
ب-التصريح بالكذب:
1 -القاسم بن عبد الله بن عمر العمري، قال البخاري لما ترجم له في (تاريخه الكبير) :"سكتوا عنه، قال أحمد: كان يكذب".
2 -وهب بن وهب أبو البختري القاضي، قال البخاري في (تاريخه الكبير) (8\ 170) :"سكتوا عنه، كان وكيع يرميه بالكذب".
ج-التصريح بالبدعة:
1 -النعمان بن ثابت، قال البخاري لما ترجم له في (التاريخ الكبير) (8\ 81) : (كان مرجئًا، سكتوا عنه، وعن رأيه، وعن حديثه) .
د-أو: أي صيغة من صيغ التجريح الأخرى، وذلك قوله في:
1 -نصر بن طريف الباهلي، قال لما ترجم له في (التاريخ الكبير) (8\ 105) : (سكتوا عنه، ذاهب) .
2 -مقاتل بن سليمان البلخي، قال البخاري: (منكر الحديث، سكتوا عنه) انظر: (الكامل) (6\ 435) .