وقال الإمام ابن حبان-رحمه الله تعالى-يروي عن نافع وغيره من الثقات ما لا يشبه حديثهم، وأحسبه كان يؤتى ذلك من سوء حفظه فلا يجوز عندي الاحتجاج بروايته إلا فيما وافق الثقات، ثم قال: كان مالك بن أنس الأصبحي-رحمه الله تعالى- لا يرضاه [1] .
ثم ذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه فقال: وبهذا وبتلك الأقوال نرى ترجيح قول الإمام مالك فيه وأنه في محله، فهو ليس من
الثقات الأثبات، ولو كان كذلك لخرج له أصحاب الصحيح حديثه في صحاحهم [2] .
ومن الأئمة النقاد الذين استعملوا هذا التعبير في تجريح الرواة أيضًا-ابن القطان [3] -فروى عنه أنه قال: سلم بن قتيبة الشَّعيري، أبو قُتَيبة الخراساني الفريابي [4] : (ليس من الجمال التي يحمل المحامل) [5] .
ومن الأئمة الذين استعملوا هذا اللفظ في التضعيف النسبي للرواة: يحيى بن معين-رحمه الله تعالى- حيث ضعَّف به رشدين ابن سعد بن مفلح بن هلال المهري [6] ، أبو الحجاج المصري، وهو رشدين بن أبي رشدين.
(1) -انظر: (المجروحين) (2/ 193) . ولهذا قال الإمام علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة: (ما كان أشد انتقاد مالك للرجال وأعلمه لشأنهم) ، وقال ابن المديني أيضًا عن حبيب الوراق كاتب مالك: (جعل لي الدراوردي وابن أبي حازم وابن كنانة دينارًا على أن أسأل مالكًا عن ثلاثة رجال لم يرو عنهم فسألته فأطرق، ثم رفع رأسه وقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله ... ) .
وقال بشر بن عمر الزهواني سألت مالكًا عن رجل، فقال: رأيته في كتبي؟ قلت: لا. قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي، قال ابن المديني: لا أعلم مالكًا ترك إنسانًا إلا إنسانًا في حديثه شيء.
وقال النسائي: (أمناء الله على علم رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-شعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان. قال: والثوري إمام إلا أنه كان يروي عن الضعفاء، وكذلك ابن المبارك من أجل إلا أنه يروي عن الضعفاء. قال: وما أحد عندي بعد التابعين أقبل من مالك بن أنس ولا أجل ولا آمن على الحديث منه، ثم يليه شعبة في الحديث، ثم يحيى بن سعيد القطان ليس بعد التابعين آمن على الحديث من هؤلاء الثلاثة ولا أقل رواية عن الضعفاء) . انظر ما جاء في (إسعاف المبطأ برجال الموطأ) (ص:878\ 882) للسيوطي.
(2) -قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في تقدمته لـ (تعجيل المنفعة) (ص:2/ 3) (إن النفوس تركن إلى من أخرج له بعض الأئمة الستة أكثر من غيرهم لجلالتهم في النفوس وشهرتهم، ولأن أصل وضع التصنيف للحديث على الأبواب أن يقتصر فيه على ما يصلح للاحتجاج أو: للاستشهاد) . أفادته أم الفضل حرم المؤلف.
(3) -انظر ترجمته في: (الحلية) (8/ 380) ، و (تاريخ بغداد) (14/ 135) ، و (تهذيب التهذيب) (11/ 116/220) .
(4) -قال الحافظ ابن حجر في (التقريب) (2\ 54\رقم:2471 - مع التحرير) : ( ... صدوق) .
(5) -انظر: (هدي الساري) (ص:407) ، و (تهذيب التهذيب) (4/ 133) ، و (ميزان الاعتدال) (2/ 186) .
(6) -بفتح الميم وسكون الهاء وفي آخرها الراء، هذه النسبة إلى مهرة بن حيدان بن عمرو بن قضاعة، قبيلة كبيرة. انظر: (اللباب) (3/ 275) ، و (تهذيب التهذيب) (3/ 278) .