قال الذهبي: (قلت: هذه العبارة يستعملها عبد الله بن أحمد كثيرًا فيما يجيبه به والده، وهي بالاستقراء كناية عمن فيه لين) [1] .
(1) -انظر: (ميزان الاعتدال) (4\ 483) ، وقال مثل ذلك في (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام-حوادث سنة: 171\ 180 هـ ص:235) ، وفي (السير) (8\ 169) ، و (شفاء العليل) (1\ 302) تحت المرتبة السادسة: من مراتب التجريح.
قال الأستاذ محمد الثاني في (ضوابطه) (2\ 854) : (ويظهر لي أن الحافظ الذهبي، يقصد بكلامه السابق، أن من قال فيه الإمام أحمد:"كذا وكذا"لا يخرج عن دائرة من يعتبر بحديثه في المتابعات والشواهد، لا أنه في درجة:"لين الحديث"، وذلك بدليل تتبع المواضع التي أطلق فيها الإمام أحمد هذه العبارة، فقد دل كلامه في مواضع أخرى على قصد التضعيف الذي لا يُخرج صاحبه عن حد الاعتبار في المتابعات والشواهد مع تفاوت مراتب ذلك.
ومن أمثلة ذلك:
أ-في ترجمة:"عبد الرحمن بن ثروان أبي قيس الأودي" (ت: 120 هـ) قال عبد الله بن أحمد: سألته عن أبي قيس عبد الرحمن ابن ثروان؟ فقال:"هو كذا وكذا، روى عنه الأعمش، وشعبة، وسفيان، وهو يخالف في أحاديث-كما في:"العلل ومعرفة الرجال" (1\ 412) ."
ب-وقال في ترجمة:"مجالد بن سعيد الهمداني" (ت: 144 هـ) : سألته عن مجالد؟ فقال:"كذا وكذا-وحرك يده-ولكنه يزيد في الإسناد-كما في:"العلل ومعرفة الرجال" (1\ 414) ."
وفي رواية أبي طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مجالد؟ فقال:"ليس بشيء، يرفع حديثًا كثيرًا، لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس-كما في"الجرح والتعديل" (8\ 361) ."
ج-وفي ترجمة:"عبد الرحمن بن حرملة بن عمرو الأسلمي المدني" (ت: 145 هـ) قال الإمام أحمد:"ابن حرملة كذا وكذا"، وابن حرملة شهد على نفسه بسوء الحفظ، وكان يقبل التلقين-كما في"العلل ومعرفة الرجال" (2\ 481) ، و (تاريخ الدوري) (2\ 346) ، و (الجرح والتعديل) (5\ 223) ، و (تهذيب الكمال) (17\ 60) .
د-وفي ترجمة:"يزيد بن سفيان أبي المهزّم التميمي البصري"قال عبد الله: (سألت-أبي-عن أبي المهزِّم؟ فقال:"هو كذا وكذا، وقد روى عنه شعبة"-كما في"العلل ومعرفة الرجال"(2\ 480) .
وفي رواية حرب بن إسماعيل: (سألت أحمد بن حنبل، عن أبي المهزم فقال:"ما أقرب حديثه"-كما"الجرح والتعديل"(9\ 269) .
هـ-وفي ترجمة:"إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي"قال عبد الله عن أبيه:"ليس به بأس، هو كذا وكذا"-كما في"العلل ومعرفة الرجال" (2\ 341) .
وسئل عن أبي معشر يوسف بن يزيد البراء البصري، وإبراهيم بن مهاجر، فقال:"أبو معشر أجلّ في قلبي من إبراهيم بن مهاجر"كما في (العلل ومعرفة الرجال) (2\ 75) .
و-وفي ترجمة: (يونس بن إبي إسحاق بن عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي) (ت: 159 هـ) قال عبد الله بن أحمد: سألته عن عيسى بن يونس؟ قال:"عيسى يسأل عنه؟!". قلت: فأبوه يونس؟ قال:"كذا وكذا"-كما (العلل) (2\ 479) .
وقال في موضع آخر-من"العلل" (2\ 479) : (حديثه حديث مضطرب) ، وفي رواية أبي طالب: (قال أحمد بن حنبل:"يونس ابن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على حديث الناس". قلت: يقولون: إنه سمع في الكتاب فهو أتم؟ قال:"إسرائيل ابنه قد سمع من أبي إسحاق، وكتب، فلم يكن فيه زيادة مثل ما يزيد يونس".-كما في:"الجرح والتعديل"(9\ 244) ، و"المعرفة والتاريخ" (2\ 173\174) ، و"تهذيب الكمال" (32\ 491) .
وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله، ذكر يونس بن أبي إسحاق، فضعف حديثه عن أبيه، وقال: (حديث إسرائيل أحب إلي منه) .-كما في"تهذيب الكمال" (32\ 491) .
ز-وفي ترجمة:"هشام بن سعد المدني أبي عباد" (ت: 160 هـ) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه: هشام بن سعد؟ قال:"كذا وكذا، وكان يحيى لا يروي عنه"-كما في:"العلل ومعرفة الرجال" (2\ 507) .
وقال أبو حاتم الرازي في (الجرح والتعديل) (9\ 61) : (سمعت أحمد بن حنبل يقول:"لم يكن هشام بن سعد بالحافظ"... وقال حرب بن إسماعيل الكرماني: سمعت أحمد بن حنبل-وذكر له هشام بن سعد فلم يرضه-وقال: ليس بمحكم الحديث) .
ح-وفي ترجمة:"عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري" (ت: 171 هـ) قال عبد الله: سألته عن العُمري ... ؟ فقال: كذا وكذ-وكأنه-كذا وردت العبارة في الأصل، وهي إشارة إلى تضعيفه للعمري). كما في (العلل ومعرفة الرجال) (2\ 507) .
وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل، عن العُمَرِي الصغير؟ فقال: "صالح لا بأس به، قد روي عنه، ولكن ليس مثل عبيد الله-كما في:"الجرح والتعديل" (5\ 109\110) ."
وفي رواية المروذي (ص:67) :"ذكر عبد الله العمري فلم يرضه، وقال:"ليِّن الحديث". وقال أبو زرعة الدمشقي: (قيل لأحمد بن حنبل: فكيف حديث عبد الله بن عمر؟ قال:"كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلًا صالحًا". كما في"تاريخ بغداد"(10\ 20) ، و"تهذيب الكمال" (15\ 329) ."
ط-وفي ترجمة:"مسلم بن خالد قَرْقَرة الزِّنجي المخزومي القرشي" (ت: 179 هـ) قال الإمام أحمد:"هو كذا وكذا"، وقال عبد الله:"يقول أبي: كذا وكذا-كان يحرك يده". كما في"العلل ومعرفة الرجال" (2\ 478) .
ي-وفي ترجمة:"عتاب بن بشير الجزري الحراني" (ت: 190 هـ) قال:"عتاب بن بشير كذا وكذا". كما في"العلل ومعرفة الرجال" (2\ 481) .
وفسر هذه الكناية في موضع آخر، بما يدل على أن سبب التليين، هو رواية عتاب عن خُصيف بن عبد الرحمن الجزري أحاديث مناكير، والنكارة من قِبل خصيف، وليست من قِبل عتاب-انظر:"العلل ومعرفة الرجال" (1\ 247) ، و"الجرح والتعديل" (7\ 13) ، و"تهذيب الكمال" (19\ 287) .
ك-وفي ترجمة:"رشدين بن سعد بن مفلح المهري المصري" (ت: 882 هـ) قال:"رشدين بن سعد كذا وكذا"-كما في (العلل ومعرفة الرجال) (2\ 479) .
وفي رواية الميمون"ص:195":"رشدين ليس به بأس في أحاديث الرقاق"، وفي رواية عنه قال: سمعت أبا عبد الله يقول:"رشدين ليس يبالي عمن روى، ولكنه رجل صالح يوثقه هيثم بن خارجة"وكان في المجلس، فتبسم من ذلك أبو عبد الله، ثم قال أبو عبد الله:"رشدين ليس به بأس في أحاديث الرقاق"-كما في (الضعفاء الكبير) للعقيلي (1\الورقة 137\ب) ، وسقط من المطبوع (2\ 67) كلمة:"يوثقه"، وفي (تهذيب الكمال) (9\ 193) (فوثقه) بدلًا من (يوثقه) .
وقال حرب بن إسماعيل:"سألت أحمد بن حنبل، عن رشدين بن سعد فضعفه، وقدم ابنَ لهيعة عليه"-كما في"الجرح والتعديل" (3\ 513) .
وقال أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي:"سئل أحمد عن رشدين بن سعد؟ فقال:"أرجو أنه صالح الحديث".-كما في"الكامل" (3\ 149) ، و"تهذيب الكمال" (9\ 193) ."
ل-وفي ترجمة: (يحيى بن سليم الطائفي) (ت: 293 هـ) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:"سأله عن يحيى بن سليم؟ فقال: كذا وكذا-والله إن حديثه-يعني، فيه شيء وكأنه لم يحمده ... كان قد أتقن حديث ابن خثيم كانت عنده في كتاب ...". كما في"العلل ومعرفة الرجال" (2\ 480) .
وهذه المواضع دالة على مقصود الإمام أحمد-رحمه الله- من عبارته:"كذا وكذا"أن الراوي المقولَ فيه تلك الكناية، لا يخرج عنده عن حد الاعتبار به في المتابعات والشواهد. والله أعلم.
وأما قول الحافظ الذهبي-رحمه الله-:"هذه العبارة يستعملها عبد الله بن أحمد كثيرًا فيما يجيبه به والده ..."فظاهره دال على أن عبارة:"كذا وكذا"من مقول عبد الله، يكني به عن جواب أبيه فيما يُسأل عنه، ولكن بالنظر في الأمثلة السابقة الذكر، يظهر من سياقاتها أن الكناية من لفظ الإمام أحمد نفسه لا من لفظ عبد الله، ويؤيد ذلك ذكر عبد الله-أحيانًا-الحالَ المصاحبةَ لقول الإمام أحمد هذه الكناية كتحريك يده مثلًا، كما تقدم في ترجمة:"مجالد بن سعيد"، و"مسلم بن خالد الزنجي"، ويقرن أحيانًا حكايته لتلك الكناية بتفسير مراد أبيه منها، كما في ترجمة:"يحيى بن سليم الطائفي". والله أعلم).