فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 1246

قال الحسن بن علي بن الحسن الإسكافي: سألت أحمد بن حنبل عن معنى الغيبة؟ فقال: إذا لم ترد عيب الرجل. قلت: فالرجل يقول: فلان لم يسمع، وفلان يخطئ، قال: لو ترك الناس هذا لم يُعرف الصحيح من غيره [1] .

وقال شعبة-رحمه الله تعالى-لما قيل لهُ تمسك عن أبان بن أبي عياش-رحمه الله تعالى-؟ [2]

(1) -انظر: (مسودة آل تيمية في أصول الفقه) (280) .

(2) -فائدة: جاء في (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:63\ 64\رقم:59) الفصل الأول: (ألفاظ وعبارات التعديل) : (عاشرًا: مدلول سكوت النقاد عن أحد الرواة) -وهذا السكوت بخلاف سكوت الأئمة عمن ترجموا لهم في مصنفاتهم المعنية بالجرح والتعديل، كالبخاري في"تاريخه الكبير"، وأبي زرعة وأبي حاتم في"الجرح والتعديل"، فحيث ترجم هؤلاء الأئمة لراوٍ، ولم يذكروا فيه جرحًا أو: تعديلًا، فلا يستفاد من أن ذلك يعد تعديلًا من هؤلاء الأئمة في حق من ترجموا له، بخلاف ما ادعاه أحد المعاصرين، وهو مخطئ في ذلك-:

قال أبو حاتم في (الجرح والتعديل) (9/ 119) :"قال لي أحمد بن حنبل: إلى من تختلف ببغداد؟ قلت-القائل: الذهبي في"السير" (10/ 122) -إلى هوذة بن خليفة، وعفان، فسكت، كالراضي بذلك".

وقال عمر بن شبة-ورواه عنه ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل" (9/ 108) : حدثنا الفلاس، قال: حدث ابن أبي عدي، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة بحديث، فأنكره يحيى بن سعيد، وقال: لم يصنع ابن أبي عروبة شيئًا. فقال عفان-وكان حاضرًا-: حدثنا همام، عن قتادة، فسكت يحيى، وحيث حدثه عفان عن همام فسكت-ودلالة هذا السكوت؛ هو الرضى بمتابعة همام لابن أبي عروبة، كما سترون في الأمثلة الآتية-.

قال الحافظ الذهبي في كتابه النفيس:"سير أعلام النبلاء" (7/ 299) : (قلت: هذا يدل على أن يحيى تغير رأيه بأخرة في همام، أو: أنه لما رأى اتفاقهما على حديث اطمأن) .

وقد كثر ورود لفظة:"فسكت"عن الأئمة النقَّاد حال توجيه الرواة عنهم أسئلتهم لهم عن أحوال الرواة، ومن أكثر ممن ورد عنهم هذا الاصطلاح على الإطلاق: هو الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-، وقد تعددت أوجه السكوت بديلًا عن الإجابة باللفظ إلى أوجه عدة، منها:

أ-الرضى عمن سكت عنه من الرواة:

كالمثال الذي أورده الإمام الذهبي ها هنا عن أبي حاتم الرازي في إجابته للإمام أحمد. أو: الرضى على ما سكت عليه من مرويات:

وذلك مثلما أورده ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل" (1/ 331/332) عن أبي زرعة قال:"سمعت أحمد بن حنبل، وذكر عن عبد الله بن واقد، عن عكرمة بن عمار، عن الهرماس قال:"رأيت النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-على راحلته نحو الشام"."

فقال أحمد: ما ظننت أن الهرماس روى عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-حديث العضباء، حتى جاء أبو قتادة بهذا الحديث. قلت له أنا: وها هنا حديث آخر سوى هذين.

قال: ما هو؟ قلت: حدثنا عمرو بن مرزوق، عن عكرمة بن عمار، عن الهرماس قال: سلمت على النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فمد يده. قال أبو زرعة: فسكت ولم ينكره"."

وكذلك ما قاله أبو زكرياء الدقاق في"سؤالاته"عن ابن معين (ت:224) :"وسمعت يحيى وسئل: أكثر من روى عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة؟ فسكت. كأنه كما سئل".

مثال آخر:

قال أبو عثمان البرذعي في كتاب"الضعفاء"عن أبي زرعة الرازي (2/ 770) :"قلت لأبي زرعة: إذا سمعتك تذاكر بالشيء عن بعض المشيخة قد سمعته من غيرك فأقول: حدثنا أبو زرعة وفلان، وإنما ذاكرتني أنت بالمعنى والإسناد؟ فقال: أرجو. قلت: فإن كان حديثًا طويلًا؟ قال: فهذا أضيق."

قلت: فإن قلت: حدثنا فلان، وأبو زرعة نحوه؟ فسكت"."

وقد أورد الخطيب هذا الخبر في كتابه (الكفاية) (ص:317) باب: ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف.

ب-أو: التوقف في أمر من سئل عنه:

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في (العلل) (2/ 156) :"سألت أبي عن ثابت بن عجلان؟ فقال: كان يكون بالباب والأبواب. قلت له: هو ثقة؟ فسكت. كأنه مرَّض في أمره".

وكذلك جاء النص بنفس السياق عند المزي في"تهذيبه" (4/ 365) إلا أنه تحرّف عند العقيلي في"ضعفائه" (1/ 175) إلى:"كأنه عرّض في أمره". ومراد عبد الله بن أحمد بقوله:"مَرَّض"، أي: توقف فيه.

وهذا التفسير موافق لما أورده الذهبي في"ميزانه" (1/ 364) عن الإمام أحمد في ترجمة ثابت بن عجلان هذا:"أنا متوقف فيه".

ج-أو: إقرار السائل بما تضمنه سؤاله:

قال ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل" (9/ 289) في ترجمة: يزيد بن محمد الأيلي:"سألت أبي عنه؟ فقال: ... وإن عنده شيئًا باقيًا عن ابن لهيعة. قلت لأبي: كتبت عن ابنه خالد بن يزيد بن محمد الأيلي بأيلة أحاديث عن أبيه، عن ابن لهيعة، ولم يحدثني عن أبيه، عن يونس بشيء. فسكت".

د-أو: عدم موافقة السائل بما تضمنه سؤاله:

قال عبد الله بن أحمد في"العلل" (2/ 40/41) :"سألت أبي عن عبد الرحمن بن إسحاق المديني؟ فقال: ليس به بأس. فقلت: إن يحيى بن سعيد يقول: سألت عنه بالمدينة فلم يحمدوه. فسكت". وكذلك جاء في"الجرح والتعديل" (5/ 212) .

هـ-أو: تجريح فيمن سكت عنه:

قال محمد بن يوسف بن الطباع:"سألت أحمد بن حنبل عن معلى الرازي؟ فسكت". كما في"الكامل" (6/ 375) .

ودليل أن سكوت الإمام أحمد ها هنا هو تجريح في حق معلى الرازي: أن ابن عدي لما ترجم لمعلى بن منصور الرازي في"الكامل" (6/ 375) لم يورد فيه إلا حكاية سكوت الإمام أحمد عنه.

هذا، وقد قال أبو حاتم الرازي-في"الجرح والتعديل" (8/ 334) :"قيل لأحمد بن حنبل: كيف لم تكتب عن المعلى بن منصور الرازي؟ فقال: كان يكتب الشروط، ومن كتبها لم يخل من أن يكذب".

فهذا هو رأي الإمام أحمد في المعلى بن منصور الرازي في عدم الكتابة عنه، مخافة وقوع المعلى في الكذب، وظل هذا هو رأيه فيه حتى وفاته-رضي الله عنه-.

قال أبو زرعة الرازي-رواية البرذعي"2/ 717/718":"رحم الله أحمد بن حنبل بلغني أنه كان في قلبه غصص من أحاديث ظهرت عن المعلى بن منصور، كان يحتاج إليها، وكان المعلى أشبه القوم بأهل العلم، وذلك أنه كان طلاَّبة للعلم، ورحل، وعنى به، وصبر أحمد عن تلك الأحاديث، ولم يسمع منه حرفًا".

فهذا القول من أبي زرعة الرازي دليل على أن الإمام أحمد ظل طيلة حياته حتى مماته مُضَعِّفًا للمعلى بن منصور.

و-أو: عدم معرفة حال من سكت عنه:

قال عبد الله بن أحمد في"العلل" (1/ 149) :"قال أبي: قال لي شعيب بن حرب: أعطني كتاب ابن عيينة عن الزهري، فأتيته بكتابي، فجئت بعدُ آخذ الكتاب منه، فمرَّ بحديث، فقال: سفيان سمع هذا من الزهري؟ فسكتُّ أو: قلت: لا أدري".

قال عبد الله بن أحمد أيضًا في"العلل" (1/ 203) :"حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن إسماعيل بن كثير أبي هاشم، عن مجاهد في قوله: (إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما) . قال: هما الحكمان، ليس بالرجل والمرأة إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما. قال أبي: قلت لوكيع في هذا الحديث: من أبو هاشم؟ فسكت كأنه لم يدر: هو الرماني أو: المكي؟ قال أبي: وجميعًا يرويان عن مجاهد".

وقال الحافظ ابن القطان في كتابه:"بيان الوهم والإيهام ..." (5/ 364) في بيان سكوت الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-عن أحد الرواة، فقال:"قد يسكت؛ لأنه لا يعرف حاله".

ز-أو: يسكتوا عن بيان حال الراوي إن كان مجروحًا مخافة أن يلحق بهم أذىً من أهله أو: عشيرته:

قال ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل" (5/ 265) :"سمعت أبي يقول: سألت علي بن المديني عن أبي بحر البكراوي؟ فسكت، فظننت أنه لا يجسر أن يذكره بسوء، لأن له عشيرة وأهل بيت".

وإذا أراد الباحث أن يقف على معنى سكوت الناقد في حق أي راوٍ من الرواة فعليه أن ينظر إلى حال هذا الراوي، وبما احتفّ بحاله من قرائن تكون معينة-بعد الله تعالى-في بيان معنى هذا السكوت، وما يراد به، والله الموفق).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت