فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 1246

البناني، وجرير بن عبد الحميد: لغلقنا الباب [1] ، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة [2] ، ولخرج الدجالون!! أفما لك عقل يا عقيلي؟! أتدري فيمن تتكلم؟!

وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذبَّ عنهم، ولنُزَيّف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات؟! بل: أوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك.

فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وإنما اشتهي أن تُعَرّفني من هو الثقة [3] الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يُتابع عليه؟ بل: الثقة [4] الحافظ-إذا انفرد بأحاديث-كان أرفع له وأكمَل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيُعرف ذلك.

(1) -قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) ، و (وفيات: 381/ 400/ص 324) ، و (السير) (7/ 40/ 41) : (ولو سمعنا كلام الأقران بعضهم في بعض لاتّسع الخرق) . انتهى من (ذاكرة سجين مكافح) (1\ 98) . ولابن رجب بحث جيد في (جامع العلوم) في كلام الأقران لمن أراد أن يرجع إليه ففيه متعة وفائدة.

(2) -قالت أم الفضل في مقدمتها لكتابي: (إتحاف الطالب ... ) (ص:20) : الزنادقة جمع زنديق بكسر الزاي، وهو الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا بالربوبية لله تعالى أو: من يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وهو المنافق، وهو الذي يطلق عليه في عصرنا: الملحد. كالشيوعية، والاشتراكية، والعلمانية، وغيرهم كثير خفف الله بلادنا وبلاد المسلمين منهم.

يذكر الإمام النووي أن الزنديق هو الذي ينكر الشرع جملة.

وبالتتبع في أحوال الزنادقة، تبين أنهم هم الذين كانوا يطلق عليهم المنافقون في صدر الإسلام، لأن هؤلاء الزنادقة يظهرون للناس الصلاح والإستقامة وفي الخفاء يكيدون للإسلام ويعملون على هدمه. ومن هؤلاء: محمد بن سعيد المصلوب الشامي، قال الإمام أحمد: (قتله المنصور على الزندقة وصلبه) .

والترمذي انحطت رتبة (جامعه) عن باقي كتب (السنن) بسبب إخراج حديث هذا الزنديق حتى قال الذهبي في: (تاريخ الإسلام) (3/ 963) : (قلت: وبإخراج الترمذي لحديث المصلوب والكلبي وأمثالهما انحطت رتبة(جامعه-أي: الترمذي) عن رتبة"سنن"أبي داود والنسائي).

قال الحافظ الذهبي أيضًا في (تاريخه) (6/ 757/رقم:278 - ترجمة: سهل التستري) -وذكر من كلام التستري قوله: (وإنما سمي الزنديق زنديقًا، لأنه وزن دِقَّ الكلام بمخبول عقله، وقياس هوى طبعه، وتَرَك الأثر والاقتداء بالسنة، وتأول القرآن بالهوى، فعند ذلك لم يؤمن بأن الله على عرشه، فسبحان من لا تُكيِّفه الأوهام موجودًا، ولا تمثله الأفكار محمودًا) .

قال شيخنا أبو الفضل في كتابه: (قنص الفوائد النفيسة) (ص:89) : (ألف مظفر بن أردشير الواعظ جزءً في إباحة النبيذ المسكر، قال ابن السمعاني:"رأيت له رسالة بخطه جمعها في إباحة الخمر".

قال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان) (لم أكن أظن أحدًا من المسلمين يستجيز جمع ذلك) ، واستدل بقوله تعالى: (فيهما إثم كبير ومنافع للناس) (سورة البقر، رقم الآية:219) ، وقوله تعالى: (تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا) (سورة النحل، رقم الآية:67) .

وقال: لم يرد فيه نص من النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بالتحريم، وإنما حرم الله السكر والأفعال التي تظهر من الشارب إذا أكثر منه ذلك)، وكان الخاسر يخل بالصلوات الخمس، ولم يكن موثوقًا به. توفي سنة نيف وأربعين وخمسمائة.

انظر: (شرح مسلم للنووي) (1/ 157) ، و (تقريب التهذيب) (ص:415) ، أو: (ص:434 رقم: 5907) ، و (تحريره) (6/ 247) ، (رقم: 5907) ، و (معجم علوم الحديث النبوي) (ص: 112/ 113) ، و (لمحات في تاريخ السنة وعلوم الحديث) (ص:91) ، و (قيد الأوابد في مختلف العلوم والفوائد) لمحمد الناصر الكتاني، انتهى من كُتب شيخنا أبي الفضل: (ذاكرة سجين مكافح) (3\ 56\59) ، و (القول الحصيف .. ) (7\ 8) ، و (قنص الفوائد ... ) (ص:89) .

(3) -انظر: (معجم علوم الحديث النبوي) (ص:79\ 80\81\رقم:190\إلى:198) .

(4) -فائدة: جاء في: (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:21/ 22/رقم:6) الفصل الأول:"ألفاظ وعبارات التعديل": (عبارات مشتهرة توسَّع في مدلولاتها المتأخرون) : (أحمد بن يوسف بن خلاد، وثّقه أبو الفتح بن أبي الفوارس، وقال:"لم يكن يعرف من الحديث شيئًا"-وقد أورد قول ابن الفوارس هذا تلميذه الخطيب في"تاريخه"(5/ 221) -.

قال الحافظ الذهبي في (السير) (16/ 69/70) : "قلت: فمن هذا الوقت-يعني الذهبي: في وقت ابن أبي الفوارس، المتوفى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، قاله الخطيب لما ترجم له في"تاريخه" (1/ 352/353) . وكذلك ممن استعمل هذا التعبير في هذا المضمار ممن عاصروا ابن أبي الفوارس: الخطيب البغدادي، فقال لما ترجم لابن خلاد هذا في"تاريخه" (5/ 221) : "كان ابن خلاد لا يعرف من العلم شيئًا، غير أن سماعه كان صحيحًا"."

وقال الخطيب أيضًا في ترجمة: مخلد بن جعفر بن مخلد أبي علي الدقاق من"تاريخه" (13/ 177) :"ذكرت لأحمد بن علي البادا-وهو المتوفى سنة عشرين وأربعمائة كما في"تاريخ بغداد" (4/ 322) -مخلد بن جعفر؟ فقال: كان ثقة صحيح السماع، غير أنه لم يكن يعرف شيئًا من الحديث"-ثم قال الحافظ الذهبي: فمن هذا الوقت بل: وقبله صار الحفاظ يطلقون هذه اللفظة على الشيخ الذي سماعه صحيح بقراءة متقن، وإثبات عدل، وترخصوا في تسميته بالثقة، وإنما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه، المتقن لما حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن، فتوسع المتأخرون"."

ومن نماذج ما كان الأئمة المتقدمون يستخدمون هذا التعبير في إثبات ثقة الراوي أو: عدمه ما ورد عن الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-لما سئل عن الحارث بن نبهان كيف هو؟ فقال:"رجل صالح، ولم يكن يعرف بالحديث، ولا يحفظه، منكر الحديث". انظر:"الجرح والتعديل" (3/ 92) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت