ونقل سائر كلام ابن حبان في عمرو مع تعقبه على بعضه، ثم قال:"ثم إن أبا حاتم بن حبان تحرج من تليين عمرو بن شعيب، وأداه اجتهاده إلى توثيقه، فقال:"والصواب في أمر عمرو بن شعيب أن يحول من هنا إلى"تاريخ الثقات"، لأن عدالته قد تقدمت [1] ، فأما المناكير في حديثه إذا كان في رواية أبيه عن جده، وحكمه حكم الثقات إذا روى المقاطيع [2] والمراسيل بأن يترك من حديثهم المرسل والمقطوع، ويحتج بالخبر الصحيح، هذا حكم عمرو بن شعيب ... ).
(1) -انظر: (المجروحين) (2/ 72/73) ، أو: (2/ 37/إلى:40/رقم:616) ، و (تعليقات الدارقطني على كتاب المجروحين) (ص:167) ..
(2) -ذكر الذهبي في (السير) (12\ 565) مدلول قولهم: (فلان يروي المقاطيع) ، أو: (يكتب المقاطيع) ، عند قول أبي عمرو بن حمدان:(سألت الحافظ ابن عقدة عن البخاري ومسلم: أيهما أعلم؟ فقال: كان محمد عالمًا، ومسلم عالمًا.
فكررت عليه مرارًا، فقال: يا أبا عمرو: قد يقع لمحمد الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، يتوهم أنهما اثنان.
وأما مسلم فقلما يقع له من الغلط في العلل، لأنه كتب المسانيد، ولم يكتب المقاطيع، ولا المراسيل). قلت-القائل الذهبي-: عنى بالمقاطيع: أقوال الصحابة، والتابعين في الفقه والتفسير).
-تنبيه: وقد ذكرت بعض أوهام البخاري في كتابي: (إمداد السقاة ... ) (ص:67\ 68\رقم:24) رأيت من المناسب-تعميمًا للفائدة-إيرادها هنا، ولفظها: (محمد بن إسماعيل البخاري سمع من علي بن حفص المروزي-صاحب ابن المبارك، نزيل عسقلان-نزل بها سنة(217) ؛ كذا سماه في (التاريخ الكبير) ، وقد وهمه أبو زرعة في ذلك فقال: (إنما هو علي بن الحسن بن نشيط) - انظر: (التاريخ الكبير) (6/ 270) ، و (الجرح والتعديل) (6/ 180) ، و (بيان الأوهام) (ص:64) لسعد سالم-
وقد بين أبو حاتم وأبو زرعة بعض أخطاء البخاري في (تاريخه) - والبخاري معروف بتساهله في المناقب والرقائق كما قال الحافظ الذهبي في: (السير) (7/ 354) - تجدها في كتاب: (بيان أخطاء البخاري في التاريخ) لابن أبي حاتم، وقد رد الخطيب في كتابه: (موضح أوهام الجمع والتفريق) على البخاري بعض أوهامه في (التاريخ الكبير) فأجاد وأفاد. بل: نص غير واحد من النقاد كالحافظ ابن عقدة من المتقدمين-انظر: (السير) (12\ 565) ، و (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:30\رقم:11) كلاهما للذهبي-.
والذهبي، وابن رجب الحنبلي من المتأخرين على أن الإمام محمد بن إسماعيل البخاري يقع له الوهم في أسماء أهل الشام وأخبارهم، فقال ابن عقدة: قد يقع لمحمد الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم، فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، يتوهم أنهما اثنان-انظر ترجمته بتوسع في: (تاريخ الدوري) (2/ 445) ، و (الضعفاء) (ص:465/رقم: رقم:261 - ضمن المجموع في الضغفاء والمتروكين) ، و (تاريخ ابن شاهين) (452) ، و (الجرح والتعديل) (6/ 238/239) ، و (الضعفاء) (3/ 273/274) للعقيلي، و (الكامل في ضعفاء الرجال) (5/ 114/116) ، و (الضعفاء والمتروكين) (2564) لابن الجوزي، و (تهذيب الكمال) (22/ 64/إلى:75) ، انتهى من هامش (المجروحين) (2/ 38/رقم:616) -.
وجاء في (تاريخ الإسلام) (4/ 247/294) للذهبي في ترجمة التابعي"خالد بن اللجْلاج الدمشقي": (سمع ... عبد الرحمن بن عائش، وقَبيصة بن ذُؤيب، وقال البخاري: سمع من عمر، والبخاري ليس بالخبير برجال الشام، وهذا من أوهامه) .
وأما ابن رجب فقد قال: (والبخاري-رحمه الله-يقع له في"تاريخه"أوهام في أخبار أهل الشام) - انظر: (جامع العلوم والحكم) (ص:226) ، دار: الفكر-.
ويعود وهم البخاري في الشاميين إلى ما ذكره ابن عُقْدة في النص المنقول عنه سابقًا، وإلى قلة المدة الزمنية التي قضاها البخاري في رحلته إلى الشام إذ دخلها مرتين فحسبُ، بخلاف بعض الأمصار الأخرى التي مكث فيها سنين طويلة، أو: دخلها ما لا يُحصى من المرات- راجع: (السير) (12/ 407) . وفيه نقل عن البخاري قوله: (لقيت أكثر من ألف رجل، أهل الحجاز والعراق والشام ومصر لقيتهم كرات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، و(مكثت) بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان) -.
وهذا له دوره في معرفة أسماء أهل هذه البلاد وإتقان حديثهم. ومن أمثلة وهمه في أسماء طبقات شيوخ شيوخه الشاميين:
أ-ما وقع له في"تاريخه الكبير"في ترجمة: الوليد بن مسلم ابن أبي رباح-انظر: (التاريخ الكبير) (8/ 153/154) -، وإنما هو مسلم بن الوليد ابن رباح، كذا نقل ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة الرازيين-انظر: بيان أخطاء محمد بن إسماعيل البخاري في (تاريخه) (ص:130) . و (قلائد الدار على نتيجة النظر) (ق 44/ 6 - مخطوط، المكتبة الوطنية بتونس) -، فأخطأ البخاري فيه، إذ قلب اسمه لعدم اتقانه أسماء الشاميين.
ب-روى الشاميون عن بلديِّهم محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي الشامي المصلوب أحد الكذابين المشهورين-انظر: (الضعفاء الصغير) (ص:104/ 105) للبخاري، و (تاريخ أبي زرعة) (1/ 454) ، و (الضعفاء والمتروكين) (ص:231) للنسائي، و (الكامل) (6/ 2150/2153) ، و (المجروحين) (2/ 247/294) ، والنسخة التي عندي داخل زنزانتي (2/ 256/257/رقم:920) .-.
فقلبوا اسمه وغيّروه على مائة وجه ونحو ذلك سَتْرًا له وتدليسًا لضعفه، وقد أخرجه البخاري في مواضع من"تاريخه"وظنه جماعة وهو واحد، كذا قال ابن الجوزي-انظر: (موضح أوهام الجمع والتفريق) (2/ 349) . وراجع بعض هذه الأسماء وأحاديث كل منهم: (اموضح أوهام الجمع والتفريق) (2/ 343/351) ، و (الضعفاء الكبير) (4/ 70/72) للعقيلي، و (الضعفاء والمتروكين) (3/ 65) تحقيق: عبد الله القاضي، دار: الكتب العلمية.- وتبعه الذهبي في (الميزان) (3/ 563) ... ) -.
قال الشيخ خليل العربي: (ومن ذلك قولهم:"يروي المقاطيع"، وأكثر من وجدته استخدامًا لهذا التعبير هو ابن حبان البستي، وذلك في كتابه(الثقات) على ما سيأتي، وهو في المواضع الآتي ذكرها متَّبع للإمام البخاري من خلال"التاريخ الكبير"كما هو معلوم، إلا أنه خالف البخاري في التعبير عن هذا الاصطلاح، فالبخاري يقول-مثلًا-:"فلان عن فلان، منقطع"فيعبر عنه ابن حبان بقوله:"فلان عن فلان، يروي المقاطيع". وذلك مثل:
أ-قال البخاري في (تاريخه الكبير) (1\ 92) :"محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص الأموي القرشي، روى عنه الليث، منقطع".
فقال ابن حبان في (الثقات) (7\ 425) :"محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن عنبسة الأموي القرشي، يروي المقاطيع، روى عنه الليث بن سعيد".
ب-قال البخاري في (تاريخه الكبير) (3\ 10) :"حصين بن منيع السدوسي، روى عنه شاذان، منقطع". وقال ابن حبان في (ثقاته) (8\ 208) :"حصين بن منيع السدوسي، يروي المقاطيع، روى عنه شاذان".
ج-قال البخاري في (تاريخه الكبير) (6\ 28\29) :"عبد العزيز بن زياد العمي البصري الوزان، سمع قتادة، كان عنده حديثان، منقطع". فقال ابن حبان في (ثقاته) (7\ 114) :"عبد العزيز بن زياد العمي الوزان، من أهل البصرة، يروي قتادة، المقاطيع".
د-قال البخاري في (تاريخه الكبير) (6\ 164) :"عمر بن شوذب، بياع الأكسية ... سمع كعبًا، منقطع، في الكوفيين".
فقال ابن حبان في"ثقاته" (8\ 440) :"عمر بن شوذب، بياع الأكسية، من أهل الكوفة، يروي المقاطيع)."
فمما سبق ذكره-ولا سيما في المثالين الأخيرين-يتبين أن الإمام البخاري كان يطلق اصطلاح (المنقطع) على أقوال التابعين فمن دونهم، بينما ابن حبان سار على ما استقر عليه المتأخرون من اختصاص اصطلاح المقطوع على أقوال التابعين فمن دونهم:
وعليه: فيعلم من قول النووي في (الإرشاد) (1\ 208 - تدريب) في باب المنقطع:"وقيل: هو ما رُوي عن تابعي أو: من دونه قولًا له أو: فعلًا وهذا غريب ضعيف". ما فيه من بعدٍ وضعفٍ حيث استعمله الإمام البخاري، وفي ذلك منه وحده كفاية.
وعلى العكس من ذلك: فقد أطلق الأئمة:
1 -الشافعي،
2 -وأبو بكر الحميدي،
3 -والدارقطني،
4 -والطبراني،
تعبير (المقطوع) على (المنقطع) . انظر: (تدريب الراوي) (1\ 194) ، ولا مشاحة في الاصطلاح). انتهى من هامش: (كتاب السلسبيل ... ) (ص:30\ 31\رقم:11) .