يعرف هذا كل من قرأ كتبه الكثيرة في هذا العلم، وكتبه سارت بها الركبان، رغم أنف التاج ومن على شاكلته من الأشاعرة والصوفية الغلاة-.
وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي-رحمه الله تعالى-أساء إليه كثير من الصوفية، والأشاعرة، ومنهم السبكي-تلميذ الحافظ المؤرخ الإمام الأوحد ابن الذهبي، الخبير بمذاهب الناس، والعارف بأفكارهم، صاحب الجهود المخلصة في خدمة السنة الصحيحة، شهد له بهذا الموافق والمخالف، والصديق والعدو، والقاصي والداني، الذي لولاه ما وضع السبكي سوادًا في بياض حول علم الحديث رواية ودراية، وقد اعترف هو بنفسه بهذا، لكن حب السبكي للأشاعرة والمتصوفة لم يتركا له مجالًا للعدل والإنصاف-
حيث قال في حقه كلمة عظيمة،-كبرت كلمة تخرج من أفواههم-لا تصدر إلا من صوفي حاقد [1] ، أو: من أشعري حاسد!، أو: من مبتدع جاحد، أو: من ظالم فاسد، أو: من جاهل جهلًا مركبًا عامد، فإلى الله المشتكى من قلة الإنصاف-.
سامح الله الإمام العلامة التاج السبكي، وغفر لنا وله، وسامحه شيخه الهمام سيد الحفاظ المعروف بابن الذهبي، أو: الذهبي-رحم الله تعالى جميع علمائنا الفضلاء-وهذا نص الكلمة العظيمة التي قالها في حق شيخه ومعلمه وولي نعمته الحافظ الذهبي: (وإذا وصل إلى هذا الحد والعياذ بالله فهو مطبوع على قلبه [2] !!! -قال شيخنا أبو الفضل:
(1) -أما غير الصوفية فيتهمونه بالتصوف والتساهل معهم، قال محقق: (معرفة علوم الحديث، وكمية أجناسه) (ص:30) : (قال مقبل في ديباجة الكتاب: قد يذكر الحافظ الذهبي بعض المحدثين الصوفية ويثني عليهم ويصفهم بأوصاف ضخمة، فأنقل كلامه غير مقتنع به.
قال الحافظ الذهبي-رحمه الله-يطلق العبارات الضخمة على المبتدعة، وإليك مثال على ذلك، في (السير) .. يثني على الجاحظ، وهو عمرو بن بحر، فيقول: العلامة المتبحر ذو الفنون. اهـ
فأين يرحمك الله هذا الثناء المزعوم، والتبجيل المنتقد؟ وفي اعتقاد ذلك إساءة ظن بالإمام الذهبي-رحمه الله-، إذ ليس في وصف الرجل أنه علامة أو: متبحر، أو: صاحب فنون تزكية له، ولذلك تلحظ في تراجم الذهبي للمبتدعة عبارات بديعة، مثل قوله: كان ذكياَ ولم يكن زكيًا.
ولو نزَّل الشيخ الوادعي كلامَ الذهبي منزله الحقيقي، وعرف مدلولات ألفاظه، لما اتهمه بمدح المتصوفة والمبتدعة، والعجيب أن طائفة أخرى تكلمت في الذهبي لغلظته على الصوفية، وجعلوا من قواعدهم في الجرح والتعديل ألا يقبل قوله فيهم، فقد ضاع الشيخ بين هاتين الطائفتين، ووقف بين الباب والدار، وهو معتمدهم ومعتمد كل من جاء بعده في الجرح والتعديل، والله المستعان على ما يصفون).
(2) -قال شيخنا أبو الفضل عمر الحدوشي في كتابه: (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 99) : (قال شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غدة في حاشية كتابه(أربع رسائل في علوم الحديث) (ص:56) :
قلت: لقد أسرف الشيخ تاج الدين في حق شيخه الإمام شمس الدين الذهبي-لقبًا ومعنى-وبالغ حتى أفرط! ومال حتى قسط! ووقع في الشطط والغلط! وكيف ساغ له التعبير بهذه الكلمة الكبيرة؟! وإنها لكبيرة!
وإذا كان الإمام شمس الدين الذهبي (مطبوعًا على قلبه) وحاشاه من ذلك، فمن الذي أعاذه الله من (الطبع على قلبه) ؟ نسأل الله العدلَ في الرضا والغضب، والعافيةَ من الإفراط والتفريط.
قال الحافظ السخاوي في (الإعلان بالتوبيخ) (ص:76) ، أو: (ص:93 - النسخة التي عندي داخل زنزانتي الانفرادية) ، تعقيبًا على كلام المؤلف هذا، في حق شيخه الشمس الذهبي-رحمه الله تعالى-:
"بالغ السبكي في كلامه! مع أن الذهبي عُمدته في جُل التراجم، وكونه هو-أي: السبكي-قد زاد في التعصب على الحنابلة، كما أسلفته، فشاركه فيما زعمه من التعصب ودعوى الغيبة."
مع أني لا أنزه الذهبي عن بعض ما نسب إليه، وقد نَسب-أي: الذهبي-ابن الجوزي إلى أنه في كتابه في"الضعفاء"، يَذكر من طعن في الراوي، ولا يَذكر من وثقه.
وعندي تحسينًا للظن به-أي: بابن الجوزي-أنه لم يقف على التوثيق، والكمال لله تعالى. ويكفينا في جلالة الذهبي شربُ شيخنا الحافظ ابن حجر ماء زمزم لنيل مرتبته، وهل انتفع الناس في هذا الفن بعده وإلى الآن بغير تصانيفه؟ والسعيد من عدت غلطاته")."