فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 1246

إلى آخر ما سيأتي قريبًا في هذه الرسالة المتواضعة، وبهذا وغيره قويت رغبتي في جمع بعض ألفاظ التجريح النادرة، أو: قليلة الاستعمال، فلما فتشت في كتب الجرح والتعديل، وكتب التاريخ، وكتب الضعفاء، وكتب العلل فجرتُ منها ثَبَجَ بحر، وازددت يقينًا أنه (كم ترك الأول للآخر) [1] .

ويقيني بخطأ تلك المقولة المشهورة والمشئومة التي تقول: (لم يترك الأول للآخر شيئًا) ، ويقيني أيضًا بصواب قول حبيب ابن أوس الطائي [2] :

لا زلت من شكريَ في حُلةٍ * لابسها ذو سلبٍ فاخرِ

يقول من تقرع أسماعه * كم ترك الأول للآخر

(ولا لوم على العلماء-علمهم الله-في ذلك ولا دَرَكَ، لأن:"الكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو: كلام الله الحكيم، وكلام من شهد بعصمته القرآن الكريم، وكل كلام بعد ذلك فله خطأ وصواب، وقِشر ولباب" [3] . ولله در القائل:(حراسة العلم أولى من حراسة العالم) [4] .

(1) -وقد قيل: (ليس كلمةٌ أضرَّ بالعلم من قولهم:"ما ترك الأول للآخر"، لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التقاعد عن التعلم، قالوا: وليس كلمة أحض على طلب العلم من قول علي-رضي الله عنه-:قيمة كل امرئٍ ما يحسن) . انظر: (قواعد التحديث) (ص:38/ 39) للقاسمي، و (علو الهمة) (ص:59) .

(2) -انظر: (ديوانه) (2\ 161) ، و (شرح المقامات) (1\ 36) للشريشي. وكما قيل:"ليس أضر على طالب العلم منها". انظر هامش: (تعقبات الحافظ ابن حجر على الإمام الذهبي في"ميزان الاعتدال") (ص:5) للأستاذ: علي بن محمد العمران.

(3) -انظر: (الروض الباسم) (1\ 11) لابن الوزير، و (تعقبات الحافظ ابن حجر على الإمام الذهبي في"ميزان الاعتدال") (ص:5\ 6) للأستاذ: علي بن محمد العمران

(4) -ولهذه الكلمة الحكيمة قصة رائعة، من المناسب أن نسوقها هنا. قال أبو حيان التوحيدي-كما في"البصائر" (9\ 20) :"قال أبو سعيد-السيرافي-: كان أبو بكر-يعني ابن دُريد-ضعيفًا في التصريف والنحو خاصة، وفي كتاب (الجمهرة) خلل كثير، قلنا له: فلو فصّلت بالبيان عن هذا الخلل، وفتحت لنا بابًا من العلم، فقال: نحن إلى سَتر زلات العلماء أحوج منا إلى كشفها، وانتهى الكلام."

فلما نهضنا من مجلسه قال بعض أصحابنا: قد كان ينبغي لنا أن نقول له: (حراسة العلم أولى من حراسة العالم) ، وفي السكوت عن أبي بكر إجلال، ولكن خيانة للعلم". انظر: (تعقبات الحافظ ابن حجر على الإمام الذهبي في"ميزان الاعتدال") (ص:6) للأستاذ: علي بن محمد العمران."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت