وقد قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-إمام أهل عصره في علمي العربية واللغة، وأحد مشايخ محيي الدين (النووي) كلمة رائعة مشبكة بحروف من ذهب في أول كتابه القيم (التسهيل) : (وإذا كانت العلوم منحًا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين، ما عسر-فهمه-على كثير من المتقدمين) [1] .
ولا نعلمه سبحانه خص بالعلم قومًا دون قوم، ولا وقَفه على زمن دون زمن، بل: جعله مشتركًا مقسومًا بين عباده، يَفتح للآخِر منه ما أغلقه عن الأول، ويُنبه المقِلَّ منه على ما غفل عنه المكثر، ويُحييه بمتأخر ويَتعقب قول متقدم،
وتالٍ يَعتبر على ماض [2] .
ولله در القائل في نظمه:
قل لمن لا يرى المعاصر شيئًا * ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك التقديمَ كان حديثًا * وسيبقى هذا الحديث قديمًا
ذكر العلامة المحقق المدقق شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية-رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلمه-كلامًا جميلًا جامعًا مانعًا-كأنه خرج من مشكاة النبوة-في كتابه القيم والنافع الذي أسماه: (مدارج السالكين) فيقول:
(ولولا أن الحق لله ورسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وأن كل ما عدا الله ورسوله، فمأخوذ من قوله ومتروك، وهو عُرضة الوهم والخطأ: لما اعترضنا على من لا نلحق غبارهم ولا نجري معهم في مضمارهم، ونراهم فوقنا في مقامات الإيمان، ومنازل السائرين كالنجوم الدراري، ومن كان عنده علم فليرشدنا إليه.
ومن رأى في كلامنا زيفًا، أو: نقصًا، أو: خطأً، فليهد إلينا الصواب، نشكر له سعيه [3] ، ونقابله بالقبول والإذعان [4]
(1) -انظر: حاشية: (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) (ص:51) للشيخ اللكنوي، و (نماذج من رسائل الأئمة السلف وأدبهم العلمي) (ص:54) لشيخنا أبي غدة، ومقدمة أم الفضل لكتاب (إتحاف الطالب ... ) (ص:96) .
(2) -انظر: (نماذج من رسائل الأئمة السلف وأدبهم العلمي) (ص:54) .
(3) -ومن نبهنا أو: صحح أخطاءنا نشكره رقمًا ونطقًا، وننسب التصحيح له مقرونًا بالشكر، والاعتراف بالجميل.
(4) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي في: (نشر العبير في منظومة قواعد التفسير) : (ص:34) : (وسنتقي-إن شاء الله-مأثور القول البذيء والجارح بعد اليوم، مرة أخرى عذرًا شيوخنا ومغفرة، وعفوًا من زلة القلم، ومن بعض عقاربه المسمومة. قلقل الله أنيابه. وما أردنا من ذلك إلا نصرة الإسلام، ولكن أخطأنا بابه، لأن السباب والحمية للإسلام-في الغالب-ساكنان لا يلتقيان، ولا أحب أن أُلاَمَ وأحاسب على الفعل الماضي، نعم على الحال والاستقبال فأهلًا وسهلًا.
ولا زال أهل العلم يتراجعون إلى ما هو أفضل، وللإمام الشافعي مذهبان-القديم والجديد-، وللأشعري ثلاث حالات، ولابن معين وابن حنبل رأيان بل: سبعة أقوال في بعض المسائل، وهكذا ... ولا أظنني بهذا الاعتراف أمكنت الرامي من صفاء الثغرة، وليس بيننا وبين الحق حجاب. ورحم الله امرأً أهدى لنا عيوبنا، (ومن حذرك كمن بشرك) ... ). انتهى من كتاب: (إتحاف الطالب ... ) (ص:1466) ، ومن أراد التوسع في هذا أكثر فليرجع إلى رسالة شيخنا العلامة محمد الزمزمي-رحمه الله تعالى-التي أسماها: (إقامة الحجة على صحة الصلاة خلف أهل الفسق والبدعة) (ص:3/ 4) .