وقال ابن عبد ربه [1] في (العقد الفريد) : (إنني رأيت آخر كل طبقة واضعي كل حكمة ومؤلفي كل أدب أهذب لفظًا وأسهل لغة وأحكم مذاهب وأوضح طريقة من الأول لأنه ناقص متعقَّب، والأول بادئ متقدم) [2] .
قال أبو العلاء المعري:
وإني وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل
ولا غرو في هذا، فرب حديث تقدم على قديم وسبق وإن تأخر.
ثم بين أن لكل زمان خاصيته ومحاسنه وخواطره فقال: فالرجال معادن، ولكل زمان محاسن، والخواطر موارد لا تنزح [3] ، والأفكار مصابيح لا تطفئ [4] والأفهام مرايا لا تتناهى صورها، والعقول سحائب لا ينفَد مطرها، والمعالي غير متناهية، والفضائل غير متوارية، وأم الليالي ولود، والفضل في كل حين مشهود، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) [5] .
والعلم يراد للعمل لا للتقميش والتفتيش فحسب. وصدق من قال:
إن الذي يروي ولكنه * يجهل ما يروي وما يكتب
كصخرة تَنْبُعُ أمواههَا * تسقي الأراضي وهي لا تشربُ [6]
والله أسأل أن يجزي الجميع-من شيوخنا وآبائنا وأمهاتنا ومن له حق علينا-خير الجزاء وأن يجعل دعاءنا لهم في ميزان حسناتهم إنه سميع مجيب، والله من وراء القصد.
(1) -وهو أحمد بن محمد، المعروف بابن عبد ربه القرطبي، (ت:328 هـ) له ترجمة في (وفيات الأعيان) (1/ 110) ، و (معجم الأدباء) (4/ 211) ، و (البداية والنهاية) (1/ 193) ، انتهى من هامش (الحطة) (ص:56) .
(2) -قلت: ومع ذلك فالأمر كما قال ابن مالك في (خلاصته) متأدبًا مع ابن معطي:
وهْوَ بسبقٍ حائزٌ تفضيلا * مستوجبٌ ثنائي الجميلا
(3) -أي: لا تقل. (الحطة) (ص:56) .
(4) -لعلها: لا تنطفي. (الحطة) (ص:57) .
(5) -انظر: (الحطة) (ص:56/ 57) ، انتهى من مقدمة أم الفضل لكتابي: (إتحاف الطالب ... ) (ص:96\ 98) .
(6) -انظر: (فتح المغيث) (2/ 330) ، ومقدمة: (قناص الشوارد الغالية ... ) (ص:17) .