والمؤمن أولى الناس بذلك فإنه مهما كان المصاب فهو على غنم، قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"رواه مسلم (2) ، بل مع الصبر على الضراء تراه يحمد الله أن جعل مصيبته في دنياه لا في دينه، بل ترى بعضهم يشهد في ذلك المقام المنة، فيعلم أنه وإن أعسر شهرًا فقد أيسر دهرًا، وإن مارس الشدة أيامًا، فقد لابس النعمة أعوامًا، على ثقة من أن ساعة الضراء تزول، كما أن مدة السراء قد تحول، وكما لم تثبت نوبة المنحة، فلن تلبث نوبة المحنة، فما أعظم طمأنينة قلب من كان هذه حاله، وهنيئًا له الفوز بالدرجات العلى يوم القيامة.
ويعقوب عليه السلام طراز فريد من أولئك، وقد جمع بين الصبر الجميل وبين التعلق بالله القدير، ففر إلى من بيده مفاتيح الفرج سبحانه، لعلمه بأن من آوى إليه كفاه، فالفزع إلى الله -تعالى- عند نزول المصائب يربط على القلب، ويقرِّب من الرب، ويخفف من وطأة المصيبة على النفس، وهو دأب الصالحين في كل زمان. ونبينا - صلى الله عليه وسلم- كان"إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة" (3) . وأحسن من قال:
إذا أرهقتك هموم الحياة ومسك منها عظيم الضرر
و ذُقت الأمرين حتى بكيت وضج فؤادك حتى انفجر
وسُدت بوجهك كل الدروب و أوشكت تسقط بين الحفر
فيمِّم إلى الله في لهفة و بث الشكاة لرب البشر
ولا ينافي الصبر والفرار إلى الله بذل الأسباب بل يقتضيها، فهذا يعقوب _عليه السلام_، صاحب الصبر الجميل، قال وهو الصادق فيما يقول:"إنما أشكو بثي وحزني إلى الله"، ومع ذلك لم يغفل قانون الأسباب،"يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"، فأنت تراه يوجه بنيه كل بنيه: يا بَنيَّ، لا تيأسوا من روح الله، فكل عسير إذا يسره الله يهون، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، لا يقعدنكم اليأس، تحركوا وامضوا، فباحثوا عن أخبار من تلوموني في ذكره، وعن أخيه، وفي هذا بيان لقوة نفسه عليه السلام وثبات جنانه، ولك أن تقدر ما يقوله الناس له، وعظيم إنكارهم عليه، وما يتحدثون به في مجتمعه، وخذ مقياسًا لذلك كلمة بنيه:"تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين"فإذا كان هذا قول الأبناء المقربين فكيف بالغرباء الأبعدين، بل كيف بمن لم يعرف له مقام نبوة؟ إنك ترى كثيرًا من الناس ربما قال بحق في مسألة من المسائل التي بدت له أدلتها، وظهر له برهانها، فيلبث قليلًا فيعظم إنكار بعض الناس عليه، فيخنس! أما الأنبياء.. أما من عرف قدر الحق من أصحاب النفوس القوية فلا، بل يثبتهم اليقين فيصبرون، وعندها يجعل الله منهم أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون. إن يعقوب عليه السلام لقي من الإنكار ما لقي حتى من الأبناء، وربما رأى من لا يبصر بنور الوحي أن رأيهم هو الرأي، إلاّ أن يقين يعقوب وصبره عكسا القضية، فإذا بالمُنْكِرِ المخالفِ منذ قليل يتوجه إلى البحث عما أنكر، لما رأى الصبر واليقين ماثلين أمامه.
ويعقوب _عليه السلام_ طراز فريد من أولئك، وقد جمع بين الصبر الجميل وبين التعلق بالله القدير، ففر إلى من بيده مفاتيح الفرج سبحانه، لعلمه بأن من آوى إليه كفاه
إننا بحاجة في واقعنا المعاصر إلى أهل علم راسخين ينظرون بنور الله في الأمور، ثم يبصرون بنور الله أهل العمى، ويثبتون فلا تصرفهم عن ذلك شناعة شنعت، عندها يجعل الله منهم أئمة وقادة لسفينة الحياة، وعندها يرسى الناس عند شاطئ السلامة وبر النجاة. بفضل اتباعهم الذين يعلمون من الله ما لا يعلمون.
* مستل من كتاب الشيخ -حفظه الله- آيات للسائلين.
(1) تقبضت وضاقت.
(2) في الصحيح 4/2295 (2999) .
(3) ابن كثير: 1/88.
الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ?يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالًا كَثِيرًا وَنِساءً، واتَّقُوا اللَّهَ الذي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ? [ النساء:1] . ?يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُمْ مُسْلِمُون? [ آل عمران: 102] . ?يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًَا عَظِيمًا? [ الأحزاب:71] .وبعد: