فقد خلق الله الإنسان في هذه الحياة ليختبره ويبتليه، وجعل حياته في هذه الدنيا حياة كد وكدح وكبد، فقال سبحانه موضحًا هذه المعاني: ?تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ? [سورة الملك. الآية:1-2] ، وقال: ?إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا? [سورة الكهف. الآية: 7] ، وقال: ?..وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ? [سورة الأنبياء. الآيتان: 34 - 35] ، وقال: ?أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ? [العنكبوت:2] .
يًبتلى الكافر كما يُبتلى المؤمن ، لكن المؤمن أكثر فتنة وأشد ابتلاء (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) يبتلى الإنسان على قدر دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء حتى يمشي على الأرض وليس له خطيئة.
ابتلاءات ومحن وفتن تموج بها الحياة موجًا وتتلاطم وتتدافع، فتنة بعد أخرى حتى يتمايز الناس ويظهر عمليًا في واقع الحياة الصادقون من الكاذبين والمؤمنون من الكافرين ، ?مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ...? [آل عمرآن:179]
وإن من صور الفتن التي يتعرض لها المؤمن في حياته يعايشها ويراها:
تعرضه للأذى من الباطل وأهله، ثم لا يجد النصير الذي يسانده ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان
فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير .. وتتحطم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد ، وتصفو لهم الحياة . وهو مهمل منكر لا يحس به أحد، ولا يشعر به أحد .
ومن الفتن فتنة الغربة في البيئة والمجتمع حين تنقلب المفاهيم يحس أنه بإيمانه ودينه وقيمه وأخلاقه غريب وأنه كالقابض على الجمر"فطوبى للغرباء .."
ومن الفتن وجود أمم ودول غارقة في الرذيلة والفسق وهي مع ذلك راقية في مجتمعها ، متحضرة في حياتها ، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان. ويجدها غنية وقوية وهي محادة لله ورسوله.
فتنة النفس والشهوة ، وجاذبية الأرض، والرغبة في المتاع والسلطان يبيع المرء دينه وخلقه وكرامته وأمته، فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد.
إن المؤمن يحتاج إلى إيمان عميق وإلى صبر وتحمل وجلد في مواجهة تلك الابتلاءات والفتن والتحديات والمحن، ولهذا نجد أن الله تعالى يندب عباده ويأمرهم أن يستعينوا بالصبر والصلاة فإن ذلك مما يهون الأمر ويسلي النفس ويطمئن القلب كما قال تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ? [البقرة:153]
ولأهمية الصبر وضرورته تجد أنه ذكر في القرآن في أكثر من تسعين موضعًا آمرًا به ونهيًا عن ضده، والثناء على أهله وبيان أن الفوز بالآخرة ونعيمها والنجاة من النار إنما يحصل عليه المؤمنون بصبرهم ?... وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ? [الرعد:23-24] .
ودرجة الإمامة في الخير والهدى إنما تنال بالصبر واليقين ?وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ? [السجدة:24]
فحين يجد المؤمن الحقد والكراهية والكيد والغرور والتشفي من المنافقين يأمرهم الله بالصبر ويبين لهم حقيقة الأمر فيقول: ?إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ? [آل عمرآن:120] .
وحين يشن أعداء الإسلام حملة إعلامية شرسة على الإسلام الحنيف والشرع الشريف، لتنفير من يريد أن يؤمن وتخطئة من آمن وتسفيهه، يخبرهم تعالى قبل وقوعه ليوطنوا أنفسهم على الصبر واحتمال المكروه كما قال سبحانه: ? لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ? [آل عمرآن: 186]