وقوله: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا } إشارة إلى ما فعل الله بهم من إرسال ريح باردة عليهم في ليلة شاتية وإرسال الملائكة وقذف الرعب في قلوبهم حتى كان البعض يلتزق بالبعض من خوف الخيل في جوف الليل والحكاية مشهورة ، وقوله: { وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } إشارة إلى أن الله علم التجاءكم إليه ورجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداء ، وهذا تقرير لوجوب الخوف وعدم جواز الخوف من غير الله فإن قوله: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا } أي الله يقضي حاجتكم وأنتم لا ترون ، فإن كان لا يظهر لكم وجه الأمن فلا تلتفتوا إلى عدم ظهوره لكم لأنكم لا ترون الأشياء فلا تخافون غير الله والله بصير بما تعملون فلا تقولوا بأنا نفعل شيئًا وهو لا يبصره فإنه بكل شيء بصير وقوله: { إِذْ جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } بيان لشدة الأمر وغاية الخوف ، وقيل: { مّن فَوْقِكُمْ } أي من جانب الشرق { وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } من جانب الغرب وهم أهل مكة وزاغت الأبصار أي مالت عن سننها فلم تلتفت إلى العدو لكثرته { وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر } كناية عن غاية الشدة ، وذلك لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص فيلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مجرى النفس لا يقدر المرء يتنفس ويموت من الخوف ومثله قوله تعالى: { فلولا إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم } [ الواقعة: 83 ] وقوله: { وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } الألف واللام يمكن أن يكونا بمعنى الاستغراق مبالغة يعني تظنون كل ظن لأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئًا ويمكن أن يكون المراد ظنونهم المعهودة ، لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قال عليه السلام: « ظنوا بالله خيرًا » ومن الكافر الظن السوء كما قال تعالى: { ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ } [ ص: 27 ] وقوله: { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } [ النجم: 23 ] فإن قال قائل المصدر لا يجمع ، فما الفائدة في جمع الظنون؟ فنقول لا شك في أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدرًا كما يقال ضربته سياطًا وأدبته مرارًا فكأنه قال ظننتم ظنًا بعد ظن أي ما ثبتم على ظن فالفائدة هي أن الله تعالى لو قال: تظنون ظنًا ، جاز أن يكونوا مصيبين فإذا قال: ظنونًا ، تبين أن فيهم من كان ظنه كاذبًا لأن الظنون قد تكذب كلها وقد يكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد مثاله إذا رأى جمع من بعيد جسمًا وظن بعضهم أنه زيد وآخرون أنه عمرو وقال ثالث إنه بكر ، ثم ظهر لهم الحق قد يكون الكل مخطئين والمرئي شجر أو حجر . وقد يكون أحدهم مصيبًا ولا يمكن أن يكونوا كلهم مصيبين فقوله: { الظنونا } أفاد أن فيهم من أخطأ الظن ، ولو قال تظنون بالله ظنًا ما كان يفيد هذا . أي عند ذلك امتحن الله المؤمنين فتميز الصادق عن المنافق ، والامتحان من الله ليس لاستبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد إظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء ، كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة وعزم على معاقبته على مخالفته وعنده غيره من العبيد وغيرهم فيأمره بأمر عالمًا بأنه يخالفه فيبين الأمر عند الغير فتقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنها بظلم أو من قلة حلم وقوله: { وَزُلْزِلُواْ } أي أزعجوا وحركوا فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وبذكر الله تطمئن مرة أخرى ، وهم المؤمنون حقًا .
فسر الظنون وبينها ، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زورًا ووعدهما كان غرورًا حيث قطعوا بأن الغلبة واقعة وقوله: { وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ ياأهل . يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ } أي لا وجه لإقامتكم مع محمد كما يقال لا إقامة على الذل والهوان أي لا وجه لها ويثرب اسم للبقعة التي هي المدينة فارجعوا أي عن محمد ، واتفقوا مع الأحزاب تخرجوا من الأحزان ثم السامعون عزموا على الرجوع واستأذنوه وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي فيها خلل لا يأمن صاحبها السارق على متاعه والعدو على أتباعه ثم بين الله كذبهم بقوله: { وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ } وبين قصدهم وما تكن صدورهم وهو الفرار وزوال القرار بسبب الخوف .
إشارة إلى أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلًا لغرض ، فإذا فاته الغرض لا يفعله ، كمن يبذل المال لكي لا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله فقال الله تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضًا ، وليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة ، وقوله: { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ } احتمل أن يكون المراد المدينة واحتمل أن يكون البيوت ، وقوله: { وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا } يحتمل أن يكون المراد الفتنة { إِلاَّ يَسِيرًا } فإنها تزول وتكون العاقبة للمتقين ، ويحتمل أن يكون المراد المدينة أو البيوت أي ما تلبثوا بالمدينة إلا يسيرًا فإن المؤمنين يخرجونهم .