بيانًا لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذرًا وندمًا ، وذكروا أن القتال لا يزال لهم قدمًا ثم هددهم بقوله: { وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولًا } وقوله: { قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل } إشارة إلى أن الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما وقع عليه القرار ، وما قدره الله كائن فمن أمر بشيء إذا خالفه يبقى في ورطة العقاب آجلًا ولا ينتفع بالمخالفة عاجلًا ، ثم قال تعالى: { وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا } كأنه يقول ولو فررتم منه في يومكم مع أنه غير ممكن لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلًا فالعاقل لا يرغب في شيء قليل مع أنه يفوت عليه شيئًا كثيرًا ، فلا فرار لكم ولو كان لما متعتم بعد الفرار إلا قليلًا .
بيانًا لما تقدم من قوله: { لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار } وقوله: { وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله } تقرير لقوله: { مَن ذَا الذى يَعْصِمُكُمْ } أي ليس لكم ولي يشفع لمحبته إياكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم .
قوله تعالى: { قد يعلم الله المعووقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا ييأتون البأس إلا قليلًا ، أشحة عليكم } .
أي الذين يثبطون المسلمين ويقولون تعالوا إلينا ولا تقاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم وفيه وجهان أحدهما: أنهم المنافقون الذين كانوا يقولون للأنصار لا تقاتلوا وأسلموا محمدًا إلى قريش وثانيهما: اليهود الذين كانوا يقولون لأهل المدينة تعالوا إلينا وكونوا معنا وهلم بمعنى تعال أو احضر ولا تجمع في لغة الحجاز وتجمع في غيرها فيقال للجماعة هلموا وللنساء هلمن ، وقوله: { وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلًا } يؤيد الوجه الأول وهو أن المراد منهم المنافقون وهو يحتمل وجهين أحدهما: { لاَ يَأْتُونَ *** البأس } بمعنى يتخلفون عنكم ولا يخرجون معكم وحينئذٍ قوله تعالى: { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } أي بخلاء حيث لا ينفقون في سبيل الله شيئًا وثانيهما: لا يأتون البأس بمعنى لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ، وقوله: { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } أي بأنفسهم وأبدانهم .
ثم قال تعالى: { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرًا } .
إشارة إلى غاية جبنهم ونهاية روعهم ، واعلم أن البخل شبيه الجبن ، فلما ذكر البخل بين سببه وهو الجبن والذي يدل عليه هو أن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر / فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه ، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعًا فيما هو أضعاف ذلك ، وأما بالنفس والبدن فكذلك فإن الجبان يخاف قرنه ويتصور الفشل فيجبن ويترك الإقدام ، وأما الشجاع فيحكم بالغلبة والنصر فيقدم ، وقوله تعالى: { فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُم } أي غلبوكم بالألسنة وآذوكم بكلامهم يقولون نحن الذين قاتلنا وبنا انتصرتم وكسرتم العدو وقهرتم ويطالبونكم بالقسم الأوفر من الغنيمة وكانوا من قبل راضين من الغنيمة بالإياب ، وقوله: { أَشِحَّةً عَلَى الخير } قيل الخير المال ويمكن أن يقال معناه أنهم قليلو الخير في الحالتين كثيرو الشر في الوقتين في الأول يبخلون ، وفي الآخر كذلك .
ثم قال تعالى: { أوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ الله أعمالهم وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيرًا } يعني لم يؤمنوا حقيقة وإن أظهروا الإيمان لفظًا فأحبط الله أعمالهم التي كانوا يأتون بها مع المسلمين وقوله: { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيرًا } إشارة إلى ما يكون في نظر الناظر كما في قوله تعالى: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم: 27 ] وذلك لأن الإحباط إعدام وإهدار ، وإعدام الأجسام إذا نظر الناظر يقول الجسم بتفريق أجزائه ، فإن من أحرق شيئًا يبقى منه رماد ، وذلك لأن الرماد إن فرقته الريح يبقى منه ذرات ، وهذا مذهب بعض الناس والحق هو أن الله يعدم الأجسام ويعيد ما يشاء منها ، وأما العمل فهو في العين معدوم وإن كان يبقى يبقى بحكمه وآثاره ، فإذا لم يكن له فائدة واعتبار فهو معدوم حقيقة وحكمًا فالعمل إذا لم يعتبر فهو معدوم في الحقيقة بخلاف الجسم .